اقتصاد موريتانيا: دراسة أوروبية تكشف هيمنة التكتلات العائلية واحتكار الثروة بدعم أمني
12 نوفمبر 2025

كشفت دراسة أوروبية حديثة أن الاقتصاد الموريتاني “احتكاري بشدة” حيث تتركز الأرباح في عدد محدود من التكتلات العائلية التي تمتلك مصارفها الخاصة مشيرة إلى خضوع هذه التكتلات والمصارف للفصائل النخبوية ذاتها التي تهيمن على المشهد السياسي في البلاد.
وأوضحت الدراسة التي أعدها الباحث الألماني “وولفرام لاتشر” ضمن مشروع “التوجهات الكبرى في إفريقيا” أن الوظيفة الأساسية للمصارف في موريتانيا تتمثل في إعادة تدوير عائدات الصادرات إلى واردات بينما يشكل توزيع الودائع الناتجة عن تلك العائدات بين الكيانات الحكومية محورا أساسيا في سياسة النخبة.
ونقلت الدراسة عن معظم أعضاء النخبة الحاكمة الذين تمت مقابلتهم في نواكشوط ونواذيبو تأكيدهم أن الموارد الإضافية للدولة تغذي في المقام الأول اختلاس الأموال من قبل فاعلين سياسيين واقتصاديين ذوي نفوذ واسع وهو أمر وصفته الدراسة بأنه “غير مفاجئ” نظرا للروابط المتشابكة بين رجال الأعمال والمصارف والعالم السياسي.
وأشارت إلى أن الأرباح غير المشروعة الناتجة عن الفساد جرى توزيعها في السنوات الأخيرة على نطاق أوسع داخل النخبة الضيقة مقارنة بفترة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز الذي كان “يحتكر عمليات النهب الكبرى” ضمن دائرته العائلية والمقربين منه.
ولفتت الدراسة إلى أن عهد الرئيس الحالي محمد ولد الغزواني شهد عدم محاكمة أي شخص تقريبا بتهم فساد باستثناء ولد عبد العزيز نفسه مؤكدة أن فاعلين من الموالاة والمعارضة يتفقون على أن المحاباة في منح العقود العمومية واختلاس الأموال العامة تسود دون عقاب.
وأضافت أن هذه المكاسب غير المشروعة أصبحت جزءا أساسيا من النظام حيث تستخدم كأحد مصادر التمويل الانتخابي وشراء الولاءات.
وفي قطاع تعدين الذهب الحرفي الذي يعد من أسرع القطاعات نموا خلال العقد الماضي أبرزت الدراسة امتداد قبضة شبكات النخبة إلى هذا القطاع حيث استحوذ عدد محدود من الفاعلين ذوي العلاقات الوثيقة بالنظام على الجزء الأكبر من الأرباح.
وكشف التقرير أنه بعد توقف البنك المركزي الموريتاني عن شراء الذهب فرضت قوات الأمن في مناطق التعدين احتكارا فعليا لشركة واحدة مكنها من فرض أسعار أدنى فيما أشار منقبون ومصادر إلى أن الشركة ترتبط بقريب مقرب من رئيس البلاد.
ورأت الدراسة أن تطبيق هذا الاحتكار بحماية أمنية واضحة “يتطلب دعما سياسيا على أعلى مستوى” مشيرة إلى أن هذا الاحتكار توقف أواخر 2024 بسبب شكاوى متكررة من المنقبين دون أن ينشأ نظام جديد. كما رصدت الدراسة أن المقارنة بين صادرات وواردات الذهب في عام 2022 وحده تشير إلى تهريب نحو 11.2 طنا من الذهب التقليدي إلى الخارج أي أكثر من أربعة أضعاف كمية الصادرات الرسمية.
وحذرت الدراسة من أن استمرار نمو القطاع الاستخراجي سيعود بالنفع بصورة غير متناسبة على شبكات ضيقة تربط بين عالم الأعمال والسياسة وقيادة الجيش مما سيساهم في زيادة التوترات الاجتماعية والاقتصادية القائمة.
وأشارت إلى أن الإحصاءات تظهر انخفاضا ظاهريا في عدم المساواة في موريتانيا خلال العقدين الماضيين لكنها شددت على أن انقسامات اجتماعية وسياسية عميقة تتقاطع مع التفاوت الاقتصادي.
وبينت الدراسة أن الطبقة الحاكمة الميسورة تتكون في الغالب من البيظان (العرب الناطقين بالعربية) بينما يشكل الحراطين (أحفاد العبيد الناطقون بالعربية) الجزء الأكبر من فقراء البلاد إلى جانب المكون الثالث المتمثل في الفلان والسوننكي والووف المنتشرين على الحدود مع السنغال ومالي الذين تطبع علاقاتهم بالنخبة الحاكمة ذكريات الطرد والمصادرة والقمع بين 1989 و1992.
ونقلت الدراسة عن “أحد السياسيين المقربين من الرئاسة” قوله: “البيظان يملكون القوة العسكرية والثروة والتعليم” فيما أشارت إلى أن الرئيس الحالي وسلفه لم يقدما على أي محاولة جادة لإطلاق إصلاح فعلي لهذا الهيكل الاجتماعي الجامد.
وأكدت الدراسة أن شرائح واسعة من السكان تمتلك أسبابا وجيهة للشعور بالسخط العميق من نظام اجتماعي يعتبرونه “ظالما جذريا” محذرة من أن أي تنمية اقتصادية تفاقم هذا التفاوت من المرجح أن تغذي توترات سياسية متزايدة.
يذكر أن مشروع “التوجهات الكبرى في إفريقيا” مبادرة بحثية ألمانية مشتركة بين المعهد الألماني للشؤون الأمنية والمعهد الألماني للتنمية والاستدامة ومعهد كيل للاقتصاد العالمي وتموله وزارات الخارجية والدفاع والتعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية.



