الشرطة المدرسية في نواكشوط: ضرورة أمنية وحاجة تربوية لترسيخ المدرسة الجمهورية

بقلم: محمد علوش القلقمي

15 اكتوبر 2026

يتجدد مع بداية كل عام دراسي المشهد المؤرق أمام بوابات العديد من المدارس والإعداديات والثانويات العمومية في العاصمة نواكشوط، لا سيما في المقاطعات ذات الاكتظاظ السكاني المرتفع مثل دار النعيم، والرياض، وعرفات، والميناء.

تبرز في هذه المناطق مظاهر الاختلال والشغب، وتتفاقم حوادث العنف؛ إذ تشير التقديرات الميدانية والبلاغات الأمنية إلى وقوع تجاوزات وحوادث سطو واستعراض للأسلحة البيضاء في المحيط المباشر للمؤسسات التعليمية نتيجة تسلل أصحاب السوابق والمنحرفين واختلاطهم بالطلاب.

يهدد هذا الواقع السلامة الجسدية والنفسية للتلاميذ، ويصدم هيبة المؤسسة التعليمية التي يراهن عليها المجتمع، ما يجعل التدخل العاجل لضبط الشارع المدرسي ضرورة ملحة.

يتطلب علاج هذه الظاهرة مقاربة شاملة تستفيد من التجارب الناجحة، وتوازن بين البعد الأمني والتربوي والمجتمعي عبر مسارات متكاملة.

يعتمد المسار الأول على التأمين الخارجي المباشر بعناصر أمنية متخصصة لحماية الساحات المحيطة، وتأمين الطلاب من الدخلاء، والحد من الجريمة، بعيداً عن التدخل في الشؤون التربوية الداخلية للمؤسسة.

ينصب المسار الثاني على الانضباط التربوي واليقظة المجتمعية عبر إشراك رابطة آباء التلاميذ، والمجالس الجهوية والبلديات، ورؤساء الأحياء في مراقبة المحيط المدرسي، إلى جانب تشكيل فرق طلابية تطوعية داخل المدارس تحت إشراف المربين، لتنظيم النشاط اليومي، ونشر روح المسؤولية والمواطنة، وفق أطر تنظيمية تحمي التلاميذ من السلوكيات التعسفية وتراعي الضوابط الحقوقية والنفسية لمنع أي مظاهر للتسلط أو العسكرة.

تجسد المدرسة الجمهورية البيئة المتكاملة التي تضمن الأمان وتغرس احترام القانون في نفوس النشء بمشاركة الأسرة والمجتمع المحلي.

ولترجمة هذا الخيار إلى واقع ملموس، نتوجه بهذا المقترح إلى فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني وإلى معالي وزيرة التربية وإصلاح نظام التعليم السيدة هدى بنت باباه، وإلى المجالس الجهوية ورابطة آباء التلاميذ، عبر خارطة طريق تنفيذيّة واضحة ومستدامة.

تتبلور هذه الخارطة في إطلاق مشروع تجريبي يستهدف كمرحلة أولى نحو 30 إلى 50 مؤسسة تعليمية (إعدادية وثانوية) في المقاطعات الأشد تأثراً بالهشاشة الأمنية بنواكشوط، إلى جانب توقيع بروتوكول تعاون مشترك بين قطاع التربية الوطنية، والشرطة الوطنية، والمجالس الجهوية والسلطات البلدية لتحديد حدود الإشراف الإداري والمدني بوضوح التزاماً بالمعايير الحقوقية.

تتضمن الخارطة تفعيل اللجان المجتمعية للرقابة بالتنسيق مع رؤساء الأحياء ورابطة الآباء، وتخصيص بند مالي مستدام عبر الصندوق الوطني لدعم التعليم، مستفيداً من اتفاقيات التمويل الموجهة لتطوير المنظومة التعليمية، وعلى رأسها التمويل المصادق عليه مؤخراً من قبل مجلس الوزراء بقيمة 1.57 مليار أوقية جديدة بالتعاون مع الرابطة الدولية للتنمية لترقية التعليم الثانوي والابتدائي، على غرار تأسيس صندوق دعم سكن المدرسين والمؤطرين المعلن عنه بتوجيهات رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني بتاريخ 28 نوفمبر 2024، لتمويل المشروع بالشراكة مع المجالس البلديّة والجهوية والقطاع الخاص، فضلاً عن إعداد دليل سلوكي ينظم عمل الفرق الطلابية التطوعية، وإخضاعهم لتدريب مناسب تحت إشراف المرشدين التربويين والأخصائيين الاجتماعيين، مع تقييم التجربة دورياً لتطوير النموذج قبل تعميمه على كافة الولايات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى