انسحاب القوات الفرنسية من السنغال: صراع دبلوماسي حول السيطرة على المبادرة
28 فبراير 2025

تشهد عملية سحب القوات الفرنسية من السنغال، التي أعلن عنها الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي، تطورات دبلوماسية متلاحقة بين داكار وباريس، حيث تسعى كل منهما إلى فرض رؤيتها وتوقيتها للعملية. في حين يؤكد الرئيس السنغالي على ضرورة إنهاء الوجود العسكري الفرنسي تماشيًا مع مبدأ السيادة الوطنية، تحاول فرنسا إظهار أن قرار الانسحاب جاء بمبادرتها الخاصة.
في 28 نوفمبر 2024، أعلن الرئيس باسيرو ديوماي فاي، خلال مقابلات مع وسائل الإعلام الفرنسية، أن الوجود العسكري الفرنسي في السنغال يتعارض مع السيادة الوطنية. وأكد أن بلاده، كدولة مستقلة، لا يمكنها قبول استمرار وجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها. ودعا إلى إغلاق القواعد الفرنسية المتبقية، والتي تضم نحو 350 جنديًا فرنسيًا.
ردا على تصريحات الرئيس السنغالي، سعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى استعادة زمام المبادرة. وفي 6 يناير 2025، صرح ماكرون بأن قرار انسحاب القوات الفرنسية من أفريقيا هو قرار فرنسي بالدرجة الأولى، وليس نتيجة ضغوط من الدول الأفريقية. وأشار إلى أن بعض الدول لم تكن ترغب في رحيل الجيش الفرنسي، لكن فرنسا “تركت القرار لهم” كبادرة دبلوماسية.
في 12 فبراير 2025، صدر بيان مشترك عن وزيري الخارجية الفرنسي والسنغالي، جان نويل بارو وياسين فال، يؤكد تشكيل لجنة مشتركة للإشراف على الانسحاب النهائي للقوات الفرنسية بحلول نهاية عام 2025. ومع ذلك، تشير مصادر دبلوماسية إلى أن باريس تدرس تسريع عملية الانسحاب، مع إمكانية إغلاق القواعد العسكرية الفرنسية بحلول يونيو 2025.
إلى جانب التوترات مع السنغال، يبدو أن فرنسا تسعى إلى إعادة توجيه مواردها العسكرية لدعم أوكرانيا في مواجهة الغزو الروسي. مع تغير موقف واشنطن تجاه الصراع، تدرس باريس تعزيز دعمها لكييف، حيث يمكن للجنود الفرنسيين الذين يتم سحبهم من السنغال المشاركة في تدريب القوات الأوكرانية.
في السنغال، تتزايد الدعوات من قبل المجتمع المدني والنشطاء لتسريع عملية انسحاب القوات الفرنسية. ففي 31 يناير 2025، طالبت جمعية “الجبهة من أجل استعادة القواعد العسكرية الفرنسية” بإجلاء فوري للقوات الفرنسية خلال مؤتمر صحفي في داكار. وتم تقديم مذكرة رسمية إلى الرئيس فاي ورئيس الوزراء سونكو تطالب بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي في أقرب وقت ممكن.
يواجه الوجود العسكري الفرنسي في أفريقيا انتقادات حادة من قبل النشطاء والمثقفين، الذين يعتبرونه شكلا من أشكال الاستعمار الجديد. إيغونتشي بيهانزين، رئيس رابطة الدفاع عن أفريقيا الشمالية، صرح بأن “الجيش الفرنسي لم يعد له مكان في أفريقيا”، مؤكدًا أن وجوده يخدم المصالح الفرنسية على حساب السكان المحليين.
يعد انسحاب القوات الفرنسية من السنغال جزءا من عملية أوسع لإعادة تشكيل العلاقات بين فرنسا ودول أفريقيا. وفي ظل التصريحات المتبادلة بين داكار وباريس، والضغوط المتزايدة من المجتمع المدني، يبقى السؤال حول من يسيطر على المبادرة دون إجابة واضحة.
هل ستنجح السنغال في تعزيز استقلالها من خلال تسريع رحيل القوات الفرنسية؟ أم ستفرض فرنسا أجندتها الاستراتيجية وتثبت أنها لا تزال تتحكم في توقيت الانسحاب؟ في كلتا الحالتين، يبدو أن حقبة الوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل تقترب من نهايتها، مما يفتح الباب أمام تشكيل جديد لموازين القوى في القارة الأفريقية.



