مقاطعة الرياض: حين تتحدث الأرقام عن واقع التهميش وحتمية التغيير
بقلم: المهندس التلمدان

11 مايو 2026
صدارة ديمغرافية في مواجهة شح الإمكانات
تتربع مقاطعة الرياض على قمة الهرم السكاني في ولاية نواكشوط الجنوبية، حيث تحتضن 228,856 نسمة وفق المؤشرات الحالية. هذه الصدارة الديمغرافية تضع المقاطعة في المرتبة الأولى محلياً داخل ولايتها، وتكشف في الوقت ذاته عن اختلال حاد في ميزان الخدمات العمومية. إن استمرار إدارة هذا الثقل البشري بأدوات إدارية محدودة يعيق عجلة التنمية ويستوجب تدخلاً هيكلياً شاملاً.
أولاً: لغة الأرقام.. برهان حتمي للتقسيم
1. مفارقة التوزيع الإداري بين العاصمة والداخل:
تظهر نتائج الإحصاء العام للسكان (ديسمبر 2023) فوارق إدارية تستدعي التأمل؛ فبينما تحظى ولاية الحوض الشرقي بـ 8 مقاطعات و37 بلدية لخدمة 625,643 نسمة، تظل الرياض بكتلتها البشرية التي تقارب ثلث سكان الحوض الشرقي بأكمله حبيسة مقاطعة واحدة وبلدية يتيمة. إن نصيب الفرد من الهياكل الإدارية في الرياض يبدو ضئيلاً جداً أمام هذا الزخم البشري، مما يجعل تقسيمها إلى مقاطعات متعددة خطوة ضرورية لإنصاف سكانها وضمان تمثيلهم بشكل عادل.
2. العجز في البنية التحتية الطرقية:
تفتقر مقاطعة بهذا الحجم البشري الهائل لشبكة طرق كافية، إذ لا تخدمها سوى 9 طرق معبدة فقط. هذا الشح في الشرايين المرورية يؤدي إلى عزلة أحياء واسعة، ويعرقل حركة الاقتصاد المحلي، ويجعل من تقسيم المقاطعة وسيلة لفتح آفاق جديدة للتخطيط الحضري وتوسيع المسارات المعبدة.
3. الضغط الخانق على المنظومة الصحية والأمنية:
تعتمد كتلة بشرية تناهز ربع مليون نسمة على 12 مركزاً ونقطة صحية فقط، مع غياب تام للمستشفيات الكبرى المتخصصة. وبالمثل، يواجه مرفقان أمنيان (مفوضيتان للشرطة) تحدي بسط الأمن في مساحة جغرافية مكتظة. إن توزيع هذه الكثافة على مقاطعات جديدة يضمن استحداث مستشفيات مركزية وزيادة النقاط الأمنية بما يحقق سلامة المواطنين وطمأنينتهم.
4. التحدي التربوي والتعليمي:
تضم المقاطعة 48 مؤسسة تعليمية تواجه ضغطاً هائلاً نتيجة الاكتظاظ الطلابي. إن تقسيم الإدارة التعليمية وتوزيعها على مقاطعات مستقلة يساهم في تجويد الأداء التربوي وتوفير بيئة تعليمية تليق بأجيال المستقبل.
ثانياً: جهة نواكشوط الجنوبية.. نحو إدارة السيادة التنموية
1. استقلال القرار المالي والإداري:
يمنح تأسيس جهة مستقلة لنواكشوط الجنوبية، التي تصنف كأكبر ولاية سكانياً على المستوى الوطني، القدرة على معالجة هذه الفجوات الرقمية بشكل مباشر. إن وجود ميزانية جهوية خاصة يوجه الاستثمارات نحو سد العجز في المنشآت الحيوية وزيادة شبكات الطرق، بعيداً عن تشتت الأولويات في الجهة الموحدة.
2. العدالة في توزيع الثروة الخدمية:
يهدف استقلال الجهة إلى إنهاء المفارقة الحالية؛ حيث الكثافة السكانية الأعلى تقابلها الهياكل الإدارية الأقل. إنها خطوة استراتيجية لضمان توزيع عادل للمشاريع، تجعل من الرياض والبلديات المجاورة قطباً حضرياً متكاملاً يتمتع بكافة صلاحيات اللامركزية.
ثالثاً: ثمار التحديث الإداري الشامل
ثورة في البنية التحتية: تحويل شبكة الطرق المحدودة إلى منظومة واسعة تربط أطراف المقاطعات الجديدة.
نهضة صحية: الانتقال من النقاط الصحية المتواضعة إلى بناء مجمعات طبية عامة وتخصصية.
تعزيز الأمن والتمثيل: زيادة الحضور الأمني والتمثيل السياسي بما يتناسب مع تعداد السكان الفعلي.
خاتمة: إرادة البناء
تؤكد المعطيات الرقمية لـ 228,856 مواطناً في الرياض أن النموذج الإداري الحالي تجاوزته الأحداث. يظل تقسيم المقاطعة وإنشاء جهة مستقلة لنواكشوط الجنوبية الطريق الأوحد لتحويل هذه الأرقام من عبء إداري إلى قوة دافعة للتنمية والازدهار.
آن الأوان لترجمة الثقل السكاني إلى واقع خدمي ينهي حقبة التهميش.



