الحاجة إلى أفكار طموحة وجريئة في مجال الصناعة
المختار كاكيه ابييت - وزير سابق

18 مايو 2026
تأتي هذه الخاطرة منسجمة مع سلسلة خواطر حول واقع الصناعة الوطنية وآفاقها، بدأت في كتابتها منذ زيارتي للمعرض الأخير حول الصناعة المحلية (أكسبو موريتانيا 2026)، وحتى الآن، لخصت مشاهداتي في المعرض وما كشف عنه من ديناميكية ملموسة للقطاع الصناعي، واستعرضت إطار الرؤية السياسية الوطنية الطموحة الحالية، ونشرت أولى حلقات سلسلة بعنوان “أي صناعة لموريتانيا” دعما للتجربة العملية الشخصية بسند معرفي نظري أعمق ترشده ملاحظات القراء.
ويشجعني لطرق هذا المسار البحثي مستوى الطموح الذي أعلمه لدى قادة العمل الحكومي المعنيين اليوم في بلادنا.
ففخامة رئيس الجمهورية في برنامجه طموحي للوطن يعلن عن نيته “إطلاق مسار تصنيعي منظم ومستدام يقوم على نموذج شامل” ويشع الطموح للصناعة في برنامجه السياسي، ومن أمثلة ذلك قوله: “وعيا مني بتحديات التحول الطاقوي وانعكاسه على مستقبل الموارد الأحفورية، بل كذلك بالفرص التي يتيحها لبلادنا من أجل تنمية مسؤولة وعادلة لمواردنا الاستخراجية والمتجددة، فإن طموحي يهدف إلى جعل بلادنا قطبا إقليميا للطاقة منخفضة الكربون بما يمكن أيضا من تثمين مستدام لمواردنا المعدنية”.
إن مستوى هذا الطموح يدعو بلادنا لمغادرة منطقة الراحة مع الصناعات الصغيرة المتكررة والمتزاحمة في التنافس على سوق صغير إلى رحابة الصناعات الكبرى الذي يدخل فيها القطاع الخاص الوطني مع القطاع الخاص الدولي كشريك.
ومن المبشر حول آفاق الصناعة الوطنية خصوصا ما وعد به الاتحاد العام لأرباب العمل الموريتانيين، عبر رئيسه، أيام معرض أكسبو موريتانيا الأخير، من عمل القطاع الخاص الوطني على إحلال التصنيع المحلي محل الواردات بأقصى ما يمكن في أفق ثلاث سنوات.
وإن أي نقلة نوعية طموحة ومستدامة لصناعتنا لا بد لها من توارد الإرادتين العمومية والخصوصية وتعاونهما.
ومن أجل بيان المقصود بعنوان الخاطرة (الحاجة إلى أفكار طموحة وجريئة في مجال الصناعة) سأبدأ بما يتيسر من الأفكار في المجالات التي تؤيدها تجربة شخصية سابقة، مثل صناعات الاسمنت والسكر والألبان والطاقة والمنتجات البتروكيمائية.
وقبل الشروع في ذلك، أرى التنبيه على أن ثمت تدبير قانوني جريئ لو اتخذته الدولة لأسهم في تحفيز الاستثمار في الصناعة تحفيزا كبيرا. إنها حماية أوائل المستثمرين الذين يبادرون بتأسيس أي نشاط صناعي جديد ترصده الدولة مسبقا كنشاط استراتيجي مهم (أول ثلاثة مستثمرين لمدة 5 سنوات، مثلا)، ولو مقابل اشتراط بقاء الأسعار في حدود معينة، لمصلحة المواطن. ويمكن إدراج مثل هذا التدبير المهم في المكان المناسب من مدونة الاستثمار.
ذلك أن من الهواجس الرئيسية للمستثمر لدينا، عند الرغبة في تأسيس نشاط صناعي جديد، أنه سيخاطر، ثم بعد أن يتغلب على تحديات البداية، يجد نفسه في مواجهة عدد من المنافسين الجدد يفوق حاجة السوق وقدرته الاستيعابية، وهو أصلا سوق ضيق نسبيا. وفكرة هذا التدبير القانوني المقترح شبيهة إجمالا بالمرونة التي استحدثت أخيرا على مستوى قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص وكانت مهمة جدا وحلت إشكالا كبيرا كان قائما؛ فقد أصبح المجال مفتوحا للمستثمرين الخصوصيين للتقدم بعروض تلقائية في مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص التي تصنفها الدولة مشاريع استراتيجية، وفتح المجال للتفاوض معهم على عروضهم تلك وإخضاعها لدراسات الخبرة والتحليل اللازمة ثم ربط الموافقة النهائية عليها بقرار من مجلس الوزراء ضمانا للحكامة الرشيدة. وكانت مثل هذه الفرص تفوت بسرعة، فور ما يعلم المستثمرون أن تقدمهم بعروض تلقائية ومناقشتها مع القطاع العام لا يعفي من شرط الدخول في منافسة مفتوحة.
أولا – الإسمنت:
منذ قيام أول صناعة للأسمنت في البلاد، كوحدة تعليب في سنة 1981 ثم وحدة طحن في 1998 لشركة إسمنت موريتانيا، ظلت هذه الصناعة معتمدة على استيراد مادة الكلنكر وخلطها بالجبس في مطاحن لإنتاج الإسمنت.
وقد صار من المسلم به اليوم أن هذه الصناعة لا تنافس المنتج الخارجي متى ما سمح باستيراده، ليبقى الإشكال مطروحا حول الموازنة الحكيمة المطلوبة بين استمرار الوضع القائم بهدف تأمين الأثر الاقتصادي والاجتماعي (التشغيل) لهذه الصناعة وبين فتح السوق على مصراعيه لصالح ولوج المستهلك إلى الإسمنت كمادة بناء رئيسية بالسعر الذي تحدده السوق العالمية. وفي نظري أن الدولة يمكنها مقاربة هذا الإشكال من خلال القيام بدراسة جدوائية وطنية جدية ومستعجلة (جيولوجية وفنية واقتصادية) حول إنتاج الكنلكر محليا.
وسيكون في ذلك تثمين واستمرار لجهود كانت تعكف عليها شركة ساميا على مستواها وبإشراف الوزارة المكلفة بالمعادن، حيث واكبت سنة 2012 قيام شركة ساميا بدراسة جدوائية أولية لمصنع للكنكر بناء على سيناريوهات عدة لتوفر المادة الأولية الرئيسية فيه (الحجر الجيري calcaire بنسبة 80%)، وقد كانت ثمت مؤشرات أولية لتوفر الحجر الجيري بنسب متفاوتة في مقاطعات كيهيدي وألاك وأطار ونواحي مدن نواكشوط ونواذيبو، وكان توفر المادة الأولية الثانية (الطين) إكراها آخر، كما ظهر أن تكاليف النقل داخل منظومة الإنتاج وتكاليف الطاقة تشكل بنودا مهمة.
فإن أمكن للدراسة التي تقوم بها الدولة أن تكشف عن حل اقتصادي لإنتاج الكلنكر؛ فبها ونعمت: يصنف إنتاج الكلنكر محليا مشروعا أولويا من مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص. وإن كشفت الدراسة خلاف ذلك؛ كان الحل الجريئ -في نظري- فتح السوق لمصلحة المواطن المستهلك من ناحية، وتصميم حزمة دعم خاصة لتأمين تنافسية الصناعة واستمرار أثرها الاقتصادي والاجتماعي لمصلحة المواطن المستثمر من ناحية أخرى.
- يتابع..



