بين استراتيجية الردع والمراجعات الفكرية: قراءة في أبعاد العفو الرئاسي بموريتانيا ودول الساحل
بقلم: محمد علوش القلقمي

24 يونيو 2026
تشهد منطقة الساحل الإفريقي ومحيطها الجيوسياسي تحولاً جوهرياً في استراتيجيات التعامل مع ملف السجناء من ذوي الخلفيات الجهادية والسياسية. وجاء العفو الرئاسي الأخير في موريتانيا شاملاً ثمانية سجناء وسجينة واحدة من أبرز الوجوه السلفية بعد مراجعات فكرية علنية، متزامناً مع إجراءات إطلاق سراح وتفاهمات أمنية مماثلة في النيجر وليبيا، ليرسم علامات استفهام كبرى حول خلفيات هذا التحول وتوقيته الحرج.
فهل تحكم هذه الخطوات براغماتيةُ “عدو عدوي صديقي” في ظل استقطاب إقليمي حاد؟ أم أنها استراتيجية مدروسة لتصفير الأزمات الداخلية وبناء جبهات صمود في منطقة تموج بالانقلابات والتهديدات العابرة للحدود؟
المقاربة الموريتانية: التوازن بين الردع العسكري والامتصاص الفكري
قد تبدو فرضية “التحالفات الانتهازية” تفسيراً أولياً للمراقب الخارجي، لكن التدقيق في الحالة الموريتانية يكشف عن استمرارية لمقاربة وطنية فريدة بنيت على التوازن بين قبضة الردع والامتصاص الفكري، ويبرز هنا الفارق السياقي بين عهدين:
المواجهة الصلبة والاستباق: ركزت الدولة في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز على الضربات العسكرية الاستباقية وتأمين الحدود بقوة السلاح، مما شلّ قدرة التنظيمات على اختراق الداخل الموريتاني.
الهندسة الناعمة والتحصين: واصلت الدولة في عهد الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني تفعيل القبضة الأمنية اليقظة، مضافاً إليها سلاح “الحوار الفكري”؛ فالإفراج الأخير أتى ثمرة حوارات شرعية قادها علماء بتوجيه رسمي، وأثمرت إعلان السجناء مراجعاتهم ونبذ الغلو والالتزام بأمن البلاد.
ومن الناحية الجيوسياسية، تسعى نواكشوط، التي تقود المشهد الدبلوماسي الإقليمي برصانة تامة بعيداً عن حزام الانقلابات، إلى تمتين جبهتها الداخلية وتأمين السجون، لمنع أي استغلال خارجي، خصوصاً مع تزايد نفوذ الفصائل المسلحة وفيلق “أفريكا كوربس” الروسي على حدودها الشرقية.
قواسم مشتركة: نزع الذرائع وسد الفراغ الأمني الإقليمي
رغم تباين الأنظمة بين تجربة ديمقراطية مستقرة في موريتانيا، ومجالس عسكرية في النيجر، وانقسام سياسي في ليبيا، تبرز نقاط تقاطع جوهرية وراء قرارات الإفراج الأخيرة في المنطقة:
أولاً، التهدئة الداخلية والمصالحات التكتيكية: ففي النيجر، بادر المجلس العسكري إلى إطلاق سراح معتقلين سياسيين وسجناء لتخفيف الضغط الشعبي، ومحاولة بناء جبهة موحدة تواجه جماعات “نصرة الإسلام والمسلمين” وتنظيم “داعش” عقب انسحاب القوات الغربية. وفي ليبيا، تداخلت ملفات التسوية وإطلاق السراح ضمن صفقات “السلم الاجتماعي” والمساومات الجهوية لضمان الاستقرار وتأمين الولاءات المحلية.
ثانياً، مواجهة السيولة الأمنية: أدى الانسحاب الدولي من الساحل إلى وضع الأنظمة في مواجهة مباشرة مع التحديات، ويمثل إطلاق سراح السجناء رغبة جماعية في نزع فتيل المظلوميات التي تستغلها التنظيمات المسلحة كأداة استقطاب أساسية لعناصر جديدة.
تقييم المشهد الراهن: الساحل في أخطر مراحله التاريخية
يمر الساحل الإفريقي اليوم بمنعطف أمني حرج يتلخص في محورين رئيسيين:
تآكل التحالفات التقليدية: انهار تحالف دول الساحل الخمس (G5) ليحل محله “تحالف دول الساحل” (AES) للمجالس العسكرية، مما حوّل المنطقة إلى ساحة صراع دولي مفتوح تتصدره روسيا في مواجهة النفوذ الغربي التقليدي.
تمدد رقعة التهديد: تجاوز الخطر “المثلث الحدودي” ليتدفق جنوباً نحو دول خليج غينيا، وشرقاً نحو تشاد وليبيا، مما جعل السجون المكتظة عبئاً أمنياً حرجاً يدفع الأنظمة نحو تبني حلول بديلة ومبتكرة.
استشراف المستقبل: المنطقة بين مسارين
بناءً على هذه المعطيات المتشابكة، تتأرجح منطقة الساحل بين مسارين مستقبليين:
السيناريو الأول (نجاح نموذج الاحتواء): أن تنجح المقاربات القائمة على الإدماج والمراجعات الفكرية (كالخطوة الموريتانية الدقيقة المقننة) في سحب البساط من تحت أقدام التطرف، وتحويل العناصر المفرج عنها إلى مصدات فكرية تحمي المجتمعات من الاختراق.
السيناريو الثاني (الارتداد العكسي): أن تفسر التنظيمات المسلحة هذه التهدئة على أنها مؤشر ضعف، فتستغل الفراغ الأمني لإعادة تدوير العناصر المفرج عنها وتنظيم صفوفها، مما يفتح الباب لموجة عنف أشد ضراوة عابرة للصحراء الكبرى.
في المحصلة، تعبر الإجراءات الأخيرة عن “تكتيك البقاء ونزع الذرائع” تحت وطأة الضغوط الجيوسياسية، ويتوقف نجاح هذه الخطوة على يقظة الأجهزة الاستخباراتية في المتابعة، ومدى تماسك الجبهات الداخلية في بيئة صحراوية مفتوحة لا تعترف بالحدود المرسومة.



