ليل نواكشوط يحترق: حين تصبح العتمة ملاذا للجريمة وتهديدا للأمن القومي
نواكشوط – تقرير خاص (الجزء الثاني)

25 سبتمبر 2026
في العاصمة نواكشوط حيث يفترض أن يكون الليل سكنا وسكونا تحولت بعض الأحياء والطرقات إلى مسارح مفتوحة لظواهر خطيرة باتت مشاهد مألوفة للعيان: مخدرات تباع وخمور تدار ورذيلة تمارس وأوكار ليلية تتخذ من العتمة ستارا لأنشطة منافية للقانون والأخلاق تهدد مستقبل البلد بأسره.
تشهد نواكشوط تمددا لافتا لظواهر تعاطي المخدرات وشرب الخمور وممارسة الرذيلة امتدت مما يعرف محليا بـ«كرفور براد» — الذي تحول بحسب شهادات السكان إلى مركز لتجارة المخدرات وعروض الرذيلة — إلى الطريق الحزام الجديد المعروف بـ«كورنيش نواكشوط» والحزام الرابط بين التيسير وطريق الأمل والحزام الرابط بين طريق الأمل وطريق روصو حيث تتكاثر المشاريع الليلية المسماة «خيام الهوى».
كما تشمل هذه البؤر شارع المقاومة الذي شهد جرائم قتل في السنوات الأخيرة ناهيك عن الحرابة والعشوائيات المحاذية له إضافة إلى شارع طب القلب والشارع المحاذي لجامعة نواكشوط – كلية الطب – وطريق مسعود وطريق تگند حيث يلاحظ المارة انتشار مظاهر مشبوهة خلال ساعات الليل.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل قامت السلطات الأمنية بالتحري عما يجري داخل هذه المشاريع الليلية؟ وهل توجد متابعة ميدانية للأنشطة التي تمارس فيها؟ وهل هناك رقابة حقيقية على الشاحنات القادمة من الدول الخارجية المتوقفة على جانب «كرفور براد»؟ باتت هذه النقطة مدخلا لأنشطة غير قانونية بحسب ما يتردد بينما يواصل أبناء المدينة وبناتها السقوط في وحل الرذيلة وتعاطي المخدرات وسط شعور متزايد بالعجز والقلق.
الخطر لا يقتصر على منطقة دون أخرى؛ فقد تسلل إلى المناطق السكنية الواقعة على الحزام بعد أن تحولت فضاءات عدة إلى مراكز لاستعمال الخمور وغيرها من المحرمات.
والمشهد الأخطر أن من يقومون على نشر هذه الآفات مواطنون في حين يقع التوزيع غالبا على نساء محليات ينتشرن في المخيمات الليلية على الطرقات وهو مؤشر على أن المساس بالأمن القومي تجاوز مرحلة الاحتمال وبدأت معالمه تتضح يوما بعد يوم.
وتزداد الصورة قتامة وخطورة مع ما تردد من معلومات تفيد بتواجد سيارات تحمل لوحات (SG) قرب هذه المشاريع الليلية واستئجار أصحابها خياما في الأطراف بعيدا عن أعين المتواجدين لإشباع نزواتهم الدنيئة في الغالب مع بنات قاصرات.
وإذا صحت هذه المعلومات فإنها تمثل جريمة أخلاقية وقانونية وتشكل طعنة مباشرة في هيبة الدولة ومصداقية مؤسساتها وتضع علامات استفهام كبرى حول حقيقة الرقابة والمساءلة.
وفي ظل هذا المشهد المقلق يصبح من غير المفهوم استمرار حالة التواطؤ الصامت لانشغال النخبة والصالونات السياسية بالسفاسف وتتبع الحياة الخاصة للقادة مقابل تجاهل الكارثة الاجتماعية التي تفتك بالشباب.
فالوطن أولى بالاهتمام وتوجيه الجهود ومناقشة قضاياه المصيرية المتمثلة في انتشار المخدرات والخمور والرذيلة متجاوزين الصراعات والمتابعات العبثية التي لا تطعم جيلا ولا تحمي وطنا.
إن استمرار الوضع الحالي يعني السير نحو كارثة حقيقية فبعد عشر إلى خمس عشرة سنة هل سيكون لهذا البلد نخبة تقوده وتحمل مسؤوليته؟ أم أن المخدرات والخمور والرذيلة ستلتهم شبابه قبل بلوغ موقع المسؤولية؟ إن كل يوم تأخير في المعالجة يمثل جيلا جديدا يضاف إلى هاوية الانحراف وكل تسامح مع هذه الظواهر يعتبر طعنة في خاصرة الأمن القومي.
المطلوب اليوم بعيدا عن البيانات والوعود والخطابات الموسمية هو تدخل أمني عاجل وملموس: تحر ومراقبة ومتابعة قانونية ومحاسبة لكل من تثبت تورطه مهما كان موقعه أو صفته.
إن غياب الردع الواضح والرقابة الفعالة سيزيد من تفاقم الظاهرة وسيدفع فئات جديدة من الشباب إلى هاوية الانحراف بحثا عن المال مقابل الترويج للمخدرات والخمور أو الرذيلة مقابل نقود تسقط بلدا برمته إلى الهاوية وتهدد مستقبله.
وإننا نوجه نداء صارخا إلى السلطات المختصة: تحروا وتابعوا وافتحوا ملف كل ما ذكرناه قبل أن يتحول الإنكار أو التغطية إلى مشاركة في الجريمة.
فهذا حديث يتجاوز الأخلاق ليشمل أمن الوطن ومستقبل الأجيال. نواكشوط تحتضر ليلا ومستقبل البلد بات على المحك فإما تحرك فوري قبل أن يفتك الخطر بما تبقى من أمن وأخلاق وشباب وإما انتظار غدٍ لا ينفع فيه الندم.



