ما بعد استقالة الحكومة: من التكليف السياسي إلى الجراحة الإدارية
بقلم: محمد علوش القلقمي

09 اكتوبر 2026
شكلت استقالة الوزير الأول عقب الإعلان عن نتائج التقرير الخاص باحتراق محطات الكهرباء خطوة مفصلية لإعادة رسم المعالم السياسية للحوكمة، وتحويل حادثة فنية قاسية إلى تحول هيكلي في إدارة الأزمات الوطنية. ينطوي قرار التنحي على أبعاد استراتيجية متعددة، في مقدمتها دعم نزاهة القضاء، وإظهار قدرة النظام السياسي على التعاطي الشفاف مع الرأي العام، مع إعفاء رئاسة الجمهورية من التداعيات المباشرة للإخفاقات التنفيذية، وإرساء العرف المؤسسي القائم على تحمل المسؤولية المعنوية.
تتطلب المرحلة القادمة تحليلاً دقيقاً للاختلالات الهيكلية التي كشف عنها التقرير، إذ يقع العبء المباشر على وزارة الطاقة باعتبارها القطاع الوصي، إلى جانب الإدارة التنفيذية لشركة “صوملك” المسؤولة عن مجريات السلامة والصيانة؛ ما يجعل استبعاد المسؤولين المتورطين بشكل مباشر أو غير مباشر شرطاً رئيساً لتشكيل الحكومة المرتقبة. يتوازى هذا التطهير الإداري مع ضرورة حسم الخلل الملاحظ في الفضاء الاتصالي والإعلامي، والحد من تأثير الحملات الرقمية الموازية والتسريبات والمعلومات غير الدقيقة، من خلال تعزيز التجانس الحكومي وتطوير آليات التدفق الإخباري الرسمي، بما يضمن صون بيئة العمل الداخلي وترسيخ الانضباط والانسيابية داخل القطاعات الخدمية.
يتجاوز سيناريو إعادة تكليف الوزير الأول تساؤلات الشارع حول جدوى التغيير من خلال اقترانه المباشر بإعادة هيكلة المفاصل الخدمية والحيوية، عبر الموازنة الدقيقة بين الكفاءة التكنوقراطية المتخصصة والجاهزية السياسية القادرة على الاستجابة للتطلعات الوطنية، بما يضمن تجسيد المفهوم العملي للجراحة الإدارية. يمثل هذا التوجه فرصة حقيقية لإرساء خارطة طريق عملية قائمة على إخضاع المنشآت الوطنية لتدقيق مستقل، وتحديد مؤشرات أداء صارمة للقطاعات، إلى جانب بناء منظومة إعلامية رسمية مرنة تؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الحزم والانضباط التنفيذي.

