تحقيق خاص: تقرير محكمة الحسابات 2022–2023… وثيقة رسمية تفضح التلاعب بمنظومة الصفقات العمومية
25 اكتوبر 2025

كشف التقرير السنوي الأخير لمحكمة الحسابات (2022–2023) عن خروقات ممنهجة وجسيمة لمدونة الصفقات العمومية في عدد من الوزارات السيادية والشركات العمومية مما يضع علامات استفهام كبيرة حول فعالية أنظمة الرقابة الداخلية وغياب المساءلة الإدارية.
وبلغت لغة التقرير وهي اللغة الرسمية الدقيقة والدامغة إلى حد فضح الوجه العاري للفساد الإداري والمالي الذي لم تستطع إخفاءه الصياغات “الإجرائية” أو تبريرات “استعجال المصلحة العامة”.
وأبرز التقرير تجاوزات خطيرة في وزارة الصحة حيث لوحظ لجوء الوزارة إلى إبرام عدد من الصفقات بالتفاهم المباشر دون توفر الشروط القانونية وهو ما يشكل خرقا واضحا لقواعد المنافسة وشفافية الإبرام محولا بذلك قاعدة “الاستثناء” إلى سلوك إداري متكرر تبدد معه ملايين الأوقية.
كما سجلت المحكمة خروقات كبيرة في مديرية مشاريع التهذيب والتكوين تمثلت في عدم احترام الآجال القانونية لإعداد كفالات حسن التنفيذ مما يعرض المشاريع والملايين العامة للخطر ويفقد الدولة ضمانتها الأساسية في مواجهة أي إخلال أو تقصير.
وفي مثال صارخ على التحايل المنظم وثقت المحكمة لجوء الشركة الوطنية للاستصلاح الزراعي والأشغال (SNAAT) إلى تجزئة الطلبيات لتجنب العتبات القانونية للصفقات حيث تم تسجيل طلبيات متعددة في نفس التاريخ ومن نفس المورد في مخالفة صريحة للقانون.
وجاء في خلاصة التقرير تكرار حالات الخرق لمقتضيات مدونة الصفقات العمومية في عدد من القطاعات دون اتخاذ الإجراءات التصحيحية اللازمة مما يطرح تساؤلات جوهرية حول آليات المحاسبة ويرسم صورة لنمط إداري يستهين بالقانون.
ويظل السؤال الأكبر المطروح بحدة بين سطور التقرير: من يراقب المراقبين؟ خاصة عندما تتحول المخالفات المتكررة إلى عرف إداري ويصبح القانون مجرد واجهة شكلية تخرق في التطبيق أكثر مما تحترم في غياب أي تحرك جدي من الجهات التنفيذية والقضائية لتفعيل المساءلة وحماية المال العام من دورة الفساد المؤسسي الجديدة.



