قرأت ردكم باهتمام، وأقدر فيه الجهد اللغوي والفكري، غير أن الإشكال الجوهري بيننا ما زال قائما

من صحفة باباه بيبي

قرأت ردكم باهتمام، وأقدر فيه الجهد اللغوي والفكري، غير أن الإشكال الجوهري بيننا ما زال قائما:

أنكم، وأنتم تفككون ما تسمونه أسطورة الإنقاذ، تقيمون في المقابل أسطورة مضادة، تختزل مسار دولة كاملة في لحظة واحدة، وتحمل حدثا بعينه ما لا يحتمله من أوزار.

لا أحد يطالب بتقديس العاشر من يوليو، ولا بتحويله إلى خط أحمر، ولا بمنع مساءلته. لكن مساءلة التاريخ لا تعني نفي السياق، ولا إلغاء المعطيات الميدانية، ولا التعامل مع قرار اتُّخذ في ظرف استثنائي بمنطق الدولة المستقرة.

فالقول إن مبررات الانقلاب بناء خطابي لاحق يتجاهل حقيقة أساسية:

أن تقارير العجز العسكري واللوجستي وجدت قبل الانقلاب لا بعده، وأن الأزمة الاقتصادية لم تكن ادعاءً دعائيًا، بل واقعًا اعترفت به مؤسسات الدولة نفسها، وأن اللجوء إلى دعم خارجي في لحظات حرجة لم يكن علامة قوة، بل دليل ضعف بنيوي فرضته ظروف الحرب.

ثم إن تحويل الانقلابات، من حيث المبدأ، إلى خطيئة خارج التاريخ، لا يصمد أمام التجربة الإنسانية نفسها. فأعرق الديمقراطيات عرفت، في لحظات استثنائية، تدخلا عسكريًا عندما عجز النظام القائم عن حماية الدولة أو تماسكها.

نابليون بونابرت وصل إلى الحكم بانقلاب 18 برومير، ووضع أسس الدولة الفرنسية الحديثة.

والجنرال شارل ديغول عاد إلى السلطة سنة 1958 في ظرف استثنائي وبضغط مباشر من المؤسسة العسكرية، لينقذ فرنسا من انهيار سياسي، ثم يعيدها إلى مسار دستوري مستقر.

لا تستحضر هذه الأمثلة للتبرير، بل للتأطير التاريخي:

فالانقلاب ليس فضيلة ولا رذيلة مطلقة، بل فعل استثنائي يُقاس بسياقه، بدوافعه، وبما يُبنى عليه لاحقًا.

أما تحميل انقلاب 1978 وحده مسؤولية تسييس الجيش، وفساد الدولة، ونهب الثروات، وفقدان البوصلة، فهو في جوهره إعفاء لكل من حكم بعده.

لقد مرت على البلد أنظمة متعددة، عسكرية ومدنية، امتلكت من الوقت والموارد ما يكفي لتصحيح المسار، لكنها فشلت أو أفسدت أو أعادت إنتاج الأعطاب نفسها.

وأود هنا التنبيه، بهدوء واحترام، إلى أن هذا الرد اختير له توقيت يصادف ذكرى رحيل العقيد المصطفى ولد محمد السالك، الضابط النزيه الذي قاد مجموعة رأت نفسها مسؤولة عن إنقاذ بلد يتآكل.

هذا التوقيت، إنسانيا وأخلاقيا، جعلني مضطرا للرد، لا دفاعا عن شخص، بل إنصافا لذكرى رجل دفع ثمن قراره، وغادر الدنيا دون أن يترك مالا ولا سلطانا ولا إرث فساد.

وإذ أستحضر هذه الذكرى، فلا يفوتني أن أترحّم عليه، وعلى والدي، وعلى كل من مضوا وهم يظنون صوابا أو خطأً أنهم يخدمون هذا الوطن.

رحمهم الله جميعا، وغفر لهم، وجعل التاريخ أرحم بهم من أحكام الحاضر المتعجلة.

الخلاصة أن العاشر من يوليو 1978 لم يكن خلاصا مطلقا، كما لم يكن لعنة أبدية.

كان لحظة اضطراب في دولة فتية، أُسيء تدبير ما بعدها، وتراكمت فوقها أخطاء لاحقة حتى أوصلتنا إلى ما نحن فيه اليوم.

أما تحويله إلى الخطيئة المؤسسة لكل ما جرى بعده، فذلك تفسير مريح نفسيا، لكنه فقير تاريخيا، ويغلق باب المساءلة الحقيقية أي مساءلة الحاضر، لا الاحتماء الدائم بالماضي.

فالتاريخ لا يفهم بالأساطير، لا أسطورة الإنقاذ ولا أسطورة الكارثة المطلقة، بل بالفهم المركّب، وبالاعتراف بأن الدول لا تنهار بحدث واحد، بل تفشل حين تعجز عن تصحيح أخطائها عبر الزمن.

BOB_CIMPER 18.12.2025

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى