المساعد أول مامادو أنجلانجا جي.. سيرة بطل من الرعيل الأول للدرك الوطني.

تقرير حياة الإخبارية المستقلة (محمد علوش القلقمي)

28 فبراير 2026

في ذاكرة الأوطان رجالٌ خالدون غابت أسماؤهم عن بريق الأضواء وحضرت أفعالهم في ساحات الشرف، أرقامهم العسكرية أوسمةٌ على صدورهم وبذلاتهم كفنٌ يحملونه فوق أكفهم دفاعاً عن حدود الجمهورية. ومن بين هؤلاء العمالقة الذين جمعتني بهم صدفةٌ مباركة في هذا الشهر الفضيل، يقف المساعد أول متقاعد مامادو أنجلانجا جي؛ شاهدٌ حي على عصر البطولة ورجلٌ نقش بمسيرته ملحمة الوفاء.

بدأت حكاية البطل “مامادو” عام 1965م حين كانت موريتانيا الفتية تشق طريقها نحو بناء جيش وطني قوي، فالتحق بالخدمة ضمن الدفعة الثانية لسنة 1965 (2-65) بمركز تدريب “روصو” العريق ليحمل الرقم العسكري (60090)، حيث عُرف بتميزه في سلاح الإشارة الذي يمثل عصب المعارك وعين القيادة. خدم في “بير أم اكرين” لسنوات، ثم ناداه الواجب مجدداً عام 1970م ليلتحق بصفوف الدرك الوطني حاملاً الرقم العسكري (550)، ليكون ضمن الرعيل الأول الذين وضعوا لبنات هذا الجهاز تحت قيادة النقيب فياه ولد المعيوف.

ويُسجل التاريخ للبطل مامادو أنچلانچا چي موقفاً يعكس جوهر الجندي الموريتاني؛ ففي عام 1976م، وبينما كان في طريقه لنيل إجازته السنوية والعودة لأهله، توقف في مدينة “أكجوجت” ليصله صدى طبول الحرب بقصف “عين بنتيلي” و”إينال”، وفي تلك اللحظة استدار ببوصلة قلبه نحو نواكشوط قاطعاً عطلته ليضع نفسه تحت تصرف القيادة، وانخرط فوراً في سرية الملازم “لو بايدي” وخاض معركة الدفاع عن العاصمة مطارداً المعتدين حتى مشارف مطار “أم التونسي” في ليلةٍ تجلت فيها أسمى معاني الفداء. استمرت رحلة النار والبارود فانطلق بطلنا ضمن سرية الملازم أول أنه ولد عبد المالك باتجاه الشمال، وفي عتمة الليل قرب “إينال” واجهت السرية اختباراً عصيباً حين تعرضت لقصف مدفعي من نيران القوات الصديقة نتيجة الاشتباه في الظلام، وحمت العناية الإلهية وحكمة القيادة الموقف من الخسائر البشرية، لتواصل السرية زحفها المقدس وتفرض سيطرتها التامة على مدينة “لكويرة” معلنةً بسط السيادة الوطنية، ومنها انتقلت لتأمين منطقة “تشله” الاستراتيجية حيث رابط بطلنا هناك لمدة شهر كامل تحت ألوان العلم الموريتاني.

استمر عطاء المساعد أول مامادو عبر دورات تخصصية في المغرب وفرنسا وظل صوتاً للحق وعيناً للوطن عبر أجهزة الإشارة حتى تقاعده عام 2000م، واليوم ونحن نستذكر هذه السيرة نحتفي بقيم الانضباط والتضحية والولاء المطلق، فالبطل مامادو أنچلانچا چي رسالة لكل الأجيال بأن الأوطان تُبنى بسواعد الصادقين وتُحمى بصدور المخلصين الذين وهبوا حياتهم لأمنها، فإليه وإلى رفاقه الأوفياء كل إجلال وتقدير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى