معلمو الأجيال في موريتانيا.. بين جمر الميدان وجحود الجمود الوظيفي
بقلم: محمد علوش القلقمي

18 يوليو 2026
علمتُ مؤخرًا بتقاعد معلم الأجيال، الأستاذ محمد الأمين ولد أحمد زين “مامين”؛ هذا الرجل الفاضل الذي نذر حياته كاملة، وقدم زهرة شبابه في خدمة الوطن، ومحاربة الجهل والتخلف طيلة عقود من الزمن. لقد ظل قابضًا على جمر العطاء، حاملًا سلاح القلم والمعرفة في وضعية استنفار دائم لمواصلة البناء والتعليم، حتى أُحيل إلى التقاعد.
وتكمن المفارقة الصارخة في أن هذا المربي القدوة قد سهر الليالي عبر العقود ليخرّج أجيالًا من المعلمين، والأساتذة، والجنود، والممرضين، والمفتشين الماليين. لقد صنع رجالًا يتقلد بعضهم اليوم مناصب سامية في هرم الدولة، بينما زامله بعضهم الآخر في ميدان الشرف التعليمي.
إن هذه المسيرة الحافلة لا تعبر عن حالة استثنائية خاصة، وإنما تضعنا في مواجهة قضية رأي عام شاملة وواضحة المعالم، تفرض نفسها بقوة على المنظومة التعليمية بأكملها؛ وهي ظاهرة الركود والجمود الوظيفي وغياب أفق الترقية العادلة. فمن غير المنصف قانونيًا وسياسيًا أن يفني الأستاذ “مامين” عمره في مركز “الرشيد” الإداري بولاية تكانت دون تقدّم وظيفي يوازي حجم عطائه. ويتكرر هذا المشهد المأساوي مع المربي القدير الأستاذ جبريل أحمد با، المراقب العام بثانوية مقام إبراهيم في قرية “اللكات” التابعة إداريًا لمقاطعة المذرذرة بولاية اترارزة، لتتجسد هذه المعاناة البنيوية في وجهها الآخر مع الكفاءة الوطنية الفذّة محمدن ولد الصوفي بمدرسة “الإمام أحمد” في مقاطعة دار النعيم بنواكشوط الشمالية، وهي نماذج حية لآلاف القامات التي تعاني من غياب الإنصاف المهني.
ومن هذا المنطلق المؤسسي، أتوجه بدعوة صادقة إلى وزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي، وإلى المفكرين والمشرّعين، لإعادة النظر جذريًا في قانون الترقية والتقدم المهني في سلك التعليم. ونقترح في هذا الصدد مأسسة آلية شاملة للترقية التلقائية والتقدم الوظيفي بناءً على الخبرة الميدانية والأقدمية وسنوات العطاء، في ظل هذه الثورة الرقمية والرقمنة التي تنتهجها الدولة الموريتانية، لضمان تكريم هؤلاء الفضلاء ماديًا ومعنويًا أثناء الخدمة.
كما نطالب بقوة بإشراك هؤلاء الرواد بعد تقاعدهم في الهيئات الاستشارية، ومجالس إصلاح التعليم، والأيام التشاورية لإصلاح منظومة التعليم؛ للاستفادة من خبراتهم وتراكماتهم المعرفية؛ فهم الأدرى بشعابها، والأكثر إلمامًا بمشكلات الميدان وتحدياته، والأجدر بتقديم حلول عملية ومقترحات حقيقية للتحديث والتطوير، إحقاقًا للحق، وإنصافًا لرسالة التعليم المقدسة، وحفظًا لهيبة المربي ومكانته السيادية.



