من ولد غدة إلى ولد الكماش.. تدوير أدوات الردع الإعلامي واستنزاف المصداقية
بقلم: محمد علوش القلقمي

08 اكتوبر 2026
تكشف القراءة المتأنية للتحولات السياسية والأمنية الموريتانية توظيفاً مستمراً لآليات الإسقاط الرمزي والتجريد الناعم من المصداقية، حيث تتشابه الأدوات التكتيكية رغم تغير الأحداث والشخوص والعهود.
تعيد قراءة المشهد الراهن إلى الأذهان حادثة توقيف السيناتور السابق محمد ولد غدة إبان حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، وما رافقها حينها من نشر لتسريبات هاتفية وتحويلات مالية شملت مدونين وسياسيين وصحفيين مرتبطين برجل الأعمال محمد ولد بوعماتو؛ فقد شكلت تلك الخطوة تحولاً مفصلياً مكّن السلطة من تفكيك خيوط التأثير ونزع مصداقية الخطاب المعارض، لينتقل الموقف من مواجهة سياسية مفتوحة إلى استنزاف داخل مربعات الاتهام والتبرير.
يتكرر السيناريو ذاته اليوم مع اختلاف الأدوار، إذ يجد الرئيس السابق نفسه يكتوي بالأساليب ذاتها التي أدار بها المعارك السياسية سابقاً، في وقت تشير الضربات المتلاحقة الموجّهة لبعض مدوني المهجر—وفي مقدمتهم سيدي ولد الكماش وطاقم صفحته—إلى حضور نهج الاحتواء والسيطرة المعتمد على التسريبات والتحويلات المالية لإعادة ترتيب موازين القوى.
وفي هذا السياق، يتداول الشارع الموريتاني تسريبات منسوبة لنتائج التحقيقات الحالية تضمنت تقديرات لأول مبلغ تلقاه المعني بقيمة 40,000 دولار أمريكي سنة 2021 بوساطة شخصية لاقتناء شاحنة عمل، إضافة إلى منزل في تفرغ زينة بقيمة 95,000,000 أوقية قديمة، وساعة فاخرة، بجانب فحص 7 حسابات بنكية بلغت التحويلات الواردة إليها نحو 1,539,528,370 أوقية قديمة تراوحت مبالغها الفردية بين 50,000 و30,000,000 أوقية قديمة.
أسفرت الإجراءات المتداولة عن تجميد تلك الحسابات والحفظ التحفظي على 4 منازل في نواكشوط وتكانت، بالتوازي مع تتبع بقية الحسابات والشركاء المفترضين.
تثير هذه المعطيات التفصيلية وتوقيت كشفها إشكاليات قانونية وإعلامية تتطلب معالجة حقوقية متوازنة؛ فمن الناحية القانونية تتجه التساؤلات نحو مدى مشروعية الاعتماد على التنصت وتداول الكشوفات البنكية خارج أروقة المحاكم، ومدى انسجام التشهير الإعلامي بالذمم المالية مع الضوابط الآمرة في قانون مكافحة الجريمة السبرانية وقرينة البراءة الدستورية للمتهم حتى صدور حكم قضائي بات.
وفي المقابل، قامت الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب واللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بزيارات ميدانية للموقوفين على ذمة القضية، وأكدت الآلية أنه لم تُسجَّل أي مؤشرات على سوء معاملة، وأن ظروف الاحتجاز ملائمة وفق المعايير القانونية.
أما من الناحية الإعلامية، فيمثل تسريب الأرقام والممتلكات أداة توجيه مكثفة للرأي العام يتجاوز أثرها تحجيم الخصوم إلى هز ثقة الجمهور بالفاعل الإعلامي البديل وزراعة الشك في الخطاب المعارض برمته.
يتطلب الخروج من هذه الدوامة التكتيكية الانتقال نحو بيئة صحفية وحقوقية مستقلة تستند إلى قواعد ميثاق الشرف الصحفي، وتفعل الهيئات الضابطة للإعلام الرقمي، وتكرس الشفافية المالية لمؤسسات الرأي والمدونين؛ لكون بناء بيئة إعلامية نزيهة وحصينة يستدعي إرساء أطر قانونية تحمي الحريات الصحفية وتصون الحق في الحصول على المعلومات الرسمية بعيداً عن أساليب التسريب والتوظيف السياسي.
يتضح من تتبع هذه المتوالية السياسية أن أجهزة الدولة تتوارث الأدوات التكتيكية ذاتها وتطورها بحسب المعطيات الجديدة، محولة الصراع السياسي من مواجهة للبرامج والأفكار إلى إدارة للأزمات وتحكم في التدفق المعلوماتي.


