10 يوليو 1978: تفكيك أسطورة «الإنقاذ» وفضح الرواية المفروضة

الجنرال المتقاعد لبات المعيوف

لقد أثار مقالي المعنون بـ «10 يوليو 1978: لتحريف مسار دولة موجة من الاعتراضات، لم يكن جوهرها نقاشًا تاريخيًا جادًا بقدر ما كانت دفاعًا غريزيًا عن رواية واحدة يراد لها أن تبقى فوق المساءلة، وأن تُقدَّم باعتبارها الحقيقة المطلقة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.

إن ما يُسمّى بـ«مبررات» انقلاب العاشر من يوليو 1978 لا يعدو في أغلبه كونه بناءً خطابيًا لاحقًا، صيغ لتبرير الفعل بعد وقوعه، لا لشرح الواقع كما كان. وهي مبررات تُردَّد منذ عقود حتى تحوّلت، بفعل التكرار لا البرهان، إلى ما يشبه المسلّمات التي يُمنع الاقتراب منها أو إخضاعها للنقد.

يقال إن الحرب لم تكن مشروعة، وكأن الشرعية تُستعاد بالانقلابات. ويقال إن الاقتصاد كان منهكًا، وكأن الانقضاض على السلطة يُعيد بناء الاقتصادات المنهارة. ويقال إن الجيش لم يكن مهيأً ولا مجهزًا، وكأن إقحام المؤسسة العسكرية في السياسة هو الطريق إلى إعادة بنائها واحترافيتها. وتُطرح مقولة «التوظيف» و«الاستغلال» وكأن فقدان القرار السيادي يُعالج بإلغائه من الداخل لا بتعزيزه وحمايته.

إن هذه الحجج، عند تفكيكها، لا تصمد أمام منطق التاريخ ولا أمام منطق الدولة. بل إنها تكشف، في حقيقتها، عن محاولة لتبرئة فعل الانقلاب نفسه، وتحويله من خرقٍ جسيم للنظام الدستوري إلى «ضرورة وطنية»، ومن انحراف خطير إلى «محطة إنقاذ».

والأخطر من ذلك أن هذه الرواية لا تكتفي بتبرير الانقلاب، بل تسعى إلى احتكار الذاكرة الوطنية، وتجريم أي قراءة مغايرة، وكأن التفكير النقدي أصبح جريمة، وكأن مساءلة الماضي تهديد للوطن لا حقًا مشروعًا.

إن التاريخ لا يُكتب بالأوامر، ولا يُدار بالعاطفة، ولا يُختزل في رواية المنتصر أو في سردية من استولوا على السلطة. فبيننا من عاش تلك المرحلة، ومن شارك فيها، ومن دفع ثمنها سياسيًا ومؤسساتيًا وإنسانيًا. وهؤلاء ليسوا شهود زور، ولا يمكن شطب شهاداتهم لأنهم يرفضون الانحناء أمام أسطورة «المنقذ».

إن رفض التعدد في قراءة العاشر من يوليو 1978 ليس دفاعًا عن الحقيقة، بل خوفًا منها. خوفًا من أن ينكشف أن ذلك اليوم لم يكن بداية الخلاص، بل بداية مسار طويل من تسييس الجيش، وإضعاف الدولة، وضرب المؤسسات، وفتح الباب أمام دوّامة انقلابات وتراجعات ما زلنا ندفع ثمنها حتى اليوم.

ولنكن واضحين: لا أحد ينكر صعوبة المرحلة ولا ثقل التحديات. لكن تحويل الأزمة إلى رخصة مفتوحة لهدم الشرعية، وتعليق الدستور، وتقديس الحكم بالقوة، هو أكبر تزوير للتاريخ وأخطره.

إن العاشر من يوليو 1978 ليس خطًا أحمر، ولا حقيقة مقدسة، ولا لحظة فوق النقد. هو حدث تاريخي قابل للمساءلة، للتحليل، وللمحاكمة الفكرية والسياسية. ومن يرفض ذلك، لا يدافع عن الوطن، بل يدافع عن رواية تخدم مصالح معينة، ولو على حساب الحقيقة والدولة معًا.

إن إعادة قراءة هذه المرحلة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية. ضرورة لكسر الروايات المصطنعة، واستعادة الوعي التاريخي، ووضع الأمور في سياقها الحقيقي، بعيدًا عن أساطير «الإنقاذ» وبلاغة التبرير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى