بين المصلحة الوطنية وحسابات القوة: الجنرال مسقارو ولد أقويزي في الميزان

بقلم الشيخ سعدبوه اعل

في مشهد يعكس ثقة لا تتزعزع جاء رد وزير الخارجية واثقا وحاسما على سؤالٍ يفتقرُ إلى المصداقية.

لكن هذا الرد يأتي في سياقٍ أكبر: فخبر “المختبر” لم ينتشر من تلقاء نفسه بل تلقفته أوساط الإخوان المسلمين في موريتانيا من صحيفتهم إلى نائبهم في البرلمان.

هذا التحرك المنسق يطرح سؤالا محوريا: من الذي يدفعهم ويمول هذه الحملات؟

لقد تحول تركيزهم فجأة من مدير الأمن الوطني السابق مسقارو ليتفرغوا لاستهداف وزير الخارجية الحالي (وزير الداخلية سابقاً) خاصة في ظل الإشاعات التي انتشرت مؤخرا حول.

هذه ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل يستهدف شخصيات وطنية بعينها.

في مشهد يختزل إشكاليات المرحلة الراهنة من عمر هذا الوطن عادت قضية “مختبر الشرطة” إلى الواجهة من خلال استدهداف أحد أبرز الكفاءات الأمنية الوطنية الجنرال مسقارو ولد أقويزي.

الحادثة التي تمت بطريقة استثنائية تطرح أسئلة جوهرية حول معايير التعامل مع الرموز المؤسسية في وقت تحتاج فيه البلاد إلى توحيد الصفوف والحفاظ على الكفاءات.

سجل حافل واستهداف مريب

الجنرال المستهدف يحمل سجلا مهنيا حافلا يشهد به زملاؤه ومرؤوسوه. من صفاته مثلا “سمح ولين مع الضعفاء قوي صعب المراس مع الأقوياء” ليست مجرد كلمات بل خلاصة مسيرة مهنية اتسمت بالتوازن بين الحزم والمرونة.

وخروجه بكرامة من محطات اختبارية عسيرة مثل أحداث 1989 يكسب شخصيته مصداقية تستحق التمحيص قبل التعرض لها بالاستهداف.

ثمة سياق أوسع يحيط بهذا الاستهداف يستحق التأمل ففي مراحل البناء الوطني تتعامل الدول عادة مع كفاءاتها بمبدأ “الاحتفاء لا الاستهداف”.

والملاحظ أن ثقافة الاستهدافات الاستثنائية تميل للتصاعد في الأجواء التي تختلط فيها المعايير بين السياسي والمؤسسي وتكثر فيها المناورات التي تخدم أجندات ضيقة.

التحليل الموضوعي: تداعيات على ثلاثة مستويات

يقتضي التحليل الموضوعي النظر إلى التداعيات على ثلاثة مستويات:

· أولا على المستوى المؤسسي: فإن استهداف شخصيات بهذا الثقل يرسل رسائل متضاربة داخل الأجهزة الأمنية ويثير تساؤلات حول معايير التعامل مع الكفاءات التي تتحلى بالاستقلالية والموضوعية.

· ثانيا على المستوى الوطني: فإن أي إجراءات غير مسبوقة تجاه رموز وطنية معروفة تضعف الثقة في المنظومة الأمنية وتفتح الباب أمام تفسيرات متعددة تخدم أصحاب الأجندات المختلفة.

· ثالثا على المستوى الإقليمي: فإن الدول التي تمر بمراحل انتقالية تكون عادة عرضة لاستغلال الخلافات الداخلية من قبل قوى إقليمية مما يستدعي الحذر الشديد في التعامل مع الملفات ذات الحساسية الأمنية.

خاتمة: المعايير الثابتة والدرس المستفاد

الخيط الناظم في هذه القضية يتمثل في التحدي الذي تواجهه العديد من النخب الوطنية:

كيف تحافظ على استقلاليتها وكفاءتها في بيئة تختلط فيها المعايير؟ وكيف تتعامل الدول مع كفاءاتها في مراحل التحول السياسي؟

الدرس المستفاد من التجارب المقارنة يؤكد أن حماية الكفاءات الوطنية ليست ترفا بل ضرورة استراتيجية. الدول التي أدركت هذه الحقيقة استطاعت عبور أصعب المراحل الانتقالية بينما دفعت أخرى ثمنا باهظا لتهميش كفاءاتها.

العدالة والموضوعية والشفافية تبقى المعايير الوحيدة التي يمكن أن تحفظ للدولة هيبتها وللكفاءات كرامتها وللمواطنين ثقتهم وأي انزياح عن هذه المعايير يضع الجميع في دائرة الخسارة.

في المحصلة ليست القضية شخصية بقدر ما هي اختبار لنضج المنظومة بأكملها والنجاح في هذا الاختبار يقاس بقدرة الجميع على وضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار والحفاظ على الكفاءات التي تمثل رصيدا للدولة في حاضرها ومستقبلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى