موريتانيا وسؤال الطاقة المُرّ: صدمة “الإطفاء” وهزّة الأسعار.. هل ننتظر انكسار المصباح؟

بقلم: محمد علوش القلقمي

28 مارس 2026

في وقت يغلي فيه الشرق الأوسط على صفيح ساخن، وتتعثر فيه سلاسل الإمداد تحت وطأة صراعات قد تخنق مضيق هرمز أو تُعطّل “باب المندب”، تعيش موريتانيا اليوم ارتدادات زلزال طاقوي عالمي. ومع اتخاذ الحكومة خطوات احترازية، يفرض الواقع سؤالاً جوهرياً: لماذا نبحث عن الحلول خلف البحار، في حين يطرق البديل الأفريقي أبوابنا بأمان أكبر وكلفة أقل؟

سياسة التقشف.. هل هي هروبٌ إلى الأمام؟

بدأت بوادر الأزمة تلوح في شوارعنا؛ من إطفاء الإنارة العمومية بدعوى الترشيد، إلى الزيادة الصادمة في أسعار المحروقات التي ستنعكس مباشرة على أسعار السلع الاستهلاكية، والنقل، والكهرباء. تؤكد التصريحات الرسمية أن هذه الهزة قد تمتد لثلاث سنوات عجاف، وهنا تبرز المفارقة الصارخة: لماذا تصر بوصلة تعاقداتنا على التوجه شرقاً نحو آسيا والخليج، بينما تعاني الممرات البحرية من مخاطر أمنية تجعل شحناتنا عرضة للتقلب والاضطراب؟

إننا نجسد اليوم حال “العيس في البيداء يقتلها الظمأ، والماء فوق ظهورها محمولُ”؛ فكيف نرضى بالظمأ ونحن على ضفاف قارة تفيض بالذهب الأسود؟

كنوز الجوار.. لغة الأرقام في الربع الأول من 2026

تُعد البدائل واقعاً ملموساً على خارطة القارة السمراء، والأرقام تؤكد ذلك:

نيجيريا: تنتج حوالي 1.46 مليون برميل يومياً بموثوقية ملحوظة.

ليبيا: الجار الذي يضخ نحو 1.28 مليون برميل، ويمتلك أضخم احتياطي قاري، مع خطط طموحة للوصول إلى 1.6 مليون بحلول نهاية العام الجاري.

الجزائر: المورد القريب بإنتاج يقارب 970 ألف برميل يومياً، مدعوماً بشبكة إمداد استراتيجية وقرب جغرافي لا يُنافس.

أنغولا ومصر: يوفران معاً أكثر من 1.6 مليون برميل، مما يعزز الاستقرار ويجنبنا مخاطر الملاحة في المضايق البعيدة.

تمثل هذه الدول مصادر إنتاج ضخمة، كما توفر مزايا لوجستية حقيقية: مسافات نقل أقصر، تكاليف شحن أدنى، وإمكانية إبرام اتفاقيات توريد برية أو بحرية قصيرة المدى. إن هذا التوجه يحقق أمناً طاقوياً أمتن وتكلفة اقتصادية أقل، بعيداً عن الطرق البحرية الطويلة المرتهنة للتوترات الدولية.

نحو “واقعية أفريقية” شجاعة

إن الارتهان لمسارات مهددة يشكل مخاطرة استراتيجية، تُدفع ضريبتها من جيوب المواطنين يوماً بعد يوم. لقد آن الأوان لقلب الطاولة وتبني رؤية جريئة؛ فبدلاً من إطفاء المصابيح، لنشعل شعلة التعاون مع عمقنا الأفريقي من خلال:

إعداد دراسات جدوى لاتفاقيات توريد طويلة الأمد مع الجزائر وليبيا.

تعزيز الشراكات مع نيجيريا عبر إطار “إيكواس” (ECOWAS).

بحث إمكانية إنشاء خطوط أنابيب أو تفعيل اتفاقيات نقل مشتركة إقليمياً.

الأمن الطاقوي هو صمام أمان لسيادتنا الاقتصادية، والبديل الأقرب هو الأضمن دوماً. حان الوقت لننتقل من سياسة التقشف الدفاعية إلى استراتيجية تعاون هجومية تخدم المواطن الموريتاني وتحمي مستقبل الأجيال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى