المواطنة الأمنية: جدار الصد الأول في وجه الاختراق
بقلم: محمد علوش القلقمي

10 ابريل 2026
في قلب العاصمة نواكشوط، وتحديداً في حي “تفرغ زينة” الهادئ، شهدتُ خلال إحدى معايناتي الفنية موقفاً يتجاوز حدود اللياقة ليلامس تخوم الخطر الأمني. بدأت القصة بدخول رجل من الجنسية اليمنية، قدم نفسه بصفة “عقيد” يعمل في سفارة بلاده، مدعياً وجوده في مهمة تندرج تحت بند الزمالة أو الوئام الأكاديمي.
استهدف هذا الزائر رجلاً موريتانياً ادعى انتماءً سابقاً للمؤسسة العسكرية، ويبدو أن معرفة سطحية كانت تربطهما سابقاً. ما أثار حفيظتي وأشعل فتيل الريبة في نفسي هو تحول تلك الجلسة من تعارف عابر إلى استجواب ممنهج، حيث انهمر العقيد اليمني بوابل من الأسئلة التخصصية، بينما اندفع صاحبنا الموريتاني — الذي أكاد أجزم أنه منتحل لصفة عسكرية — يُجيب بلهفة تلميذ في اختبار شفهي، متناسياً أن هيبة السلاح تمنع الثرثرة في أسرار الثكنات.
توغلت الأسئلة في مفاصل سيادية حساسة، إذ استفسر الزائر عن ضابط موريتاني برتبة عقيد في الجيش الوطني، متقصياً حدود معرفة الشخص به وتاريخ دخوله للخدمة العسكرية، ثم انتقل للسؤال عن نوعية تدريب الوحدات الخاصة (BCP)، وعن شيفرات وآليات الاتصال بين السرايا والوحدات.
قصد هذا الاستجواب أيضاً معرفة مهام الضباط وأدوارهم اللوجستية، وصولاً إلى تعداد الأفراد وأنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، بل ذهب السائل بعيداً حين استفسر عن إمكانية عمل المفصولين من الجيش في سلك المخابرات العسكرية أو البحث أو أي شكل من أشكال التعاون مع المؤسسة العسكرية، ليأتيه الرد من الموريتاني بالنفي القاطع. هذا الانكشاف المعلوماتي أمام أجنبي يمثل اختراقاً معنوياً، فالمعلومة العسكرية أمانة في عنق صاحبها تظل قائمة حتى وإن غادر الخدمة.
وحين بلغ السيل الزبى، لم أتمالك نفسي من التدخل لصد هذا العبث، فواجهت ذلك الموريتاني المدعي بأن ما يقوم به سلوك مرفوض من مواطن عادي، فكيف بمن يزعم انتسابه لتقاليد الجندية الصارمة؟ فجاء الرد واهناً بأن هذه المعلومات متاحة للجميع، وهي ذريعة تزيد من قبح الظاهرة وتؤكد تفشي هشاشة الحس الأمني في بعض الأوساط. إن المشهد الذي انتهى بتقديم اليمني عرضاً لإنشاء شركة أمنية كغطاء لتوطيد علاقتهما، والتزام الآخر بالعودة لتعميق الفكرة رغم كونه يعمل سائق سيارة أجرة “كار آب”، يكشف عن واقع مؤلم يتمثل في محاولة استغلال الحاجات المادية لانتزاع الولاءات الوطنية.
إن الوطن كيان مصان بالسرية واليقظة، وما رأيته يمثل جرس إنذار يوجب علينا التصدي لهذه السلوكيات المشينة التي تجعل من السيادة الوطنية مادة للدردشة في المجالس العامة.



