سقوط الأقنعة: تغول “البنازيدانية” وخطر الابتزاز على هيبة الدولة
بقلم: محمد علوش القلقمي

23 مارس 2026
إن ما يثير الدهشة والاستغراب في المشهد السياسي الحالي هو تلك السرعة في التعاطي الناعم مع فئات تعبث بمقدرات الوطن وتتخذ من الابتزاز وسيلة لتحقيق مآربها.
إن الدولة كيان صلب يُدار بمنطق المؤسسات والسيادة، وقراراتها يجب أن تترفع عن العواطف أو الترضيات الهشة التي لا تزيد المبتزين إلا طمعاً.
إن القاعدة الأسمى التي تحكم الجميع هي أن “من أبكته الشريعة فلا أحياه الله”، فالإصلاح التنموي والاقتصادي والاجتماعي قطار يمضي بقوة، ومن يزعجه هذا الإقلاع فمصيره إلى الجحيم.
لقد شهدنا في الآونة الأخيرة تحولاً خطيراً في المفاهيم المجتمعية؛ فبينما ظل مصطلح “ابن البلاد” تاريخياً رمزاً للشهامة، والمعرفة العميقة بالتقاليد، والحرص على مصلحة الجار، نرى اليوم من يتخفى وراء هذه الهوية المحلية لتمرير أفعال دنيئة، مما خلق أزمة ثقة حادة في المجتمع. إن هؤلاء الذين يمكن وصفهم بـ “أولاد البذاء”، يمثلون التجسيد السيئ لظاهرة “البنازيدانية” القائمة على الابتزاز السياسي والمقايضة النفعية.
إن استغلالهم لنقاط ضعف المجتمع للإيقاع بالدولة يمثل خيانة مضاعفة، حيث تتحول صفة “السند” إلى خنجر في خاصرة الوطن، وتصبح مواثيقهم حبراً على ورق يفتقر إلى أي قيمة أخلاقية أو قانونية.
وعند المقارنة التاريخية، نجد أن جهاز نظام ولد الطايع الإعلامي كان يمتلك قدرة فائقة على صناعة الهيبة وحماية الصورة الذهنية للدولة، لدرجة إقناع الجمهور بأن أبسط الإنجازات هي حصون استراتيجية منيعة. هذا النوع من “القوة التواصلية” هو ما يفتقده نظام الرئيس غزواني اليوم؛ فهو في حاجة ماسة إلى عقلية إعلامية صلبة تضاهي “جوبلز” في قدرتها على حماية المكتسبات ولجم المبتزين الذين يتغلغلون لصالح من يدفع لهم. إن التراجع أمام المطالب غير المشروعة تحت ضغط الصراخ الإعلامي يمنح هؤلاء شرعية زائفة، ويضعف من هيبة الدولة التي يجب أن تفرق بوضوح بين “ابن البلاد” الغيور وبين المتسلقين الذين يتاجرون بقضايا الأمة.
إن قطع الطريق على هذه الظاهرة يتطلب إرادة سياسية صلبة تضع استقرار الوطن فوق كل اعتبار، وتؤمن بأن حماية الأمن القومي تبدأ من إنهاء سياسة الترضيات. إن الدولة القوية هي التي تفرض سيادة القانون وتعيد الاعتبار لمؤسساتها، بعيداً عن ألاعيب الابتزاز التي يمارسها هؤلاء المتسلقون تحت ستار المظلومية الزائفة. إن قطار التنمية لا ينتظر المترددين، وهيبة الدولة خط أحمر لا يقبل المساومة.



