من لهيب الرماد إلى أضواء البرلمان: حين انطفأت شعلة المبدأ

 بقلم: محمد علوش القلقمي

27 ابريل 2026

انبثقت الحكاية من شاشة كشفت المستور؛ إذ روى وثائقي “صياد العبيد” مأساة تحرير “هابي منت رباح”، تلك العملية التي اتخذت من اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان غطاءً رسمياً برئاسة الراحل محمد سعيد ولد همدي، المعين بموجب مرسوم من المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية بتاريخ 21 مارس 2007. وفيما مثلت اللجنة الإطار القانوني، أدار “بيرام داه عبيد” و”مينة منت المختار” العمق النضالي للمهمة قبيل ميلاد حركة “إيرا”؛ حيث تجلت حينئذٍ جسارة بيرام في تحدي قائد فرقة الدرك ومجابهة سطوة النظام، ما أوقد في نفوس الشباب شغفاً باستكشاف هذا المد الطامح للعدالة.

شكلت رياضة “الكاراتيه” جسر العبور؛ فجمعتني بالناشط الإيراوي “الناموري فال”، ومن بوابة عضوية مكتب الحركة بدار النعيم، سجلتُ حضوري الأول بالتحاقي رسمياً في أمسية مشهودة بتيارت. تم اختياري قبيل عودة الزعيم في أبريل 2012 ضمن “لجنة السلام”، تلك النخبة التي مثلت درع الحركة ومصدر هيبتها بشباب رياضي منضبط أثار الذهول. وفي السابع والعشرين من الشهر ذاته، اليوم الذي أعاد صياغة المشهد الموريتاني، تجمهرت الحشود لاستقبال بيرام آتياً من ألمانيا متوجاً بجائزة دولية. زحفنا خلف موكبه وصولاً إلى منزله بـ “الرياض الكلمتر 10″، حيث صلينا الجمعة على الحصائر، وما إن انقضت الصلاة حتى اعتلى المنصة ملقياً خطابه الذي سوّغ فيه المحرقة، آمراً بإحضار المتون الفقهية لإحراقها رمزاً لرفض الاستغلال الديني للعبودية. كنتُ أقف بجانبه مباشرة حين سكب “يعقوب جارا” البنزين لتندلع النار تحت أنظار الإعلام؛ فبدا ذلك اللهب حينها فاتحة لانعتاق الشباب، فيما استتر خلفه وقود لطموح شخصي استثمر مشاعر جيل يتوق للإنصاف الاجتماعي.

ومع غروب شمس 29/04/2012، تحركت الآلة الأمنية، فاستنفرنا لحماية منزل الزعيم بالرياض، لتبدأ الشرطة تطويق الحي، ثم قُطع التيار الكهربائي وخيم الظلام، لتعقبه انفجارات القنابل الصوتية والدخانية في مواجهة ضارية أفضت إلى سقوط جرحى واعتقال القادة. وفي غمرة الصدام يوم 30 أبريل، تجسدت بسالة “شيخنا ولد محمود” حين واجه الجلادين في الطليعة أمام مفوضية الشرطة، قابضاً على حفنة من رماد الكتب بزهو قائلاً: “نحن من أشعلنا النار!”. غير أن هذا العنفوان انحسر مع انغماس بيرام في اللعبة السياسية، فأضحت المحرقة عبئاً يتهرب من تبعاته، وانكشفت المساعي التي اتخذت من الاندفاع الشعبي وسيلة لبلوغ مآرب نفعية.

اتخذ الزعيم من فتوى الفقيه أحمدو ولد حبيب الله “المهدي” المعنونة بـ “رفع الملام عما فعل بيرام” درعاً شرعياً في أيام المحنة، لكنه بمجرد حجز مقعده البرلماني تنكر لذلك الإرث، مقايضاً الرمزية النضالية بمكاسب فئوية. بلغت هذه البراغماتية أوجها بصمته المطبق أمام استحداث “جائزة رئيس الجمهورية لحفظ وفهم المتون المحظرية” عام 2020؛ إذ أصبحت تلك الكتب التي كانت وقوداً لنيرانه محل تكريم رسمي، فقابل ذلك بمهادنة السلطة ضماناً لموقعه وتأمينًا لامتيازاته. لقد آثر الزعيم التواري أمام هذا التحول، لتؤكد الأيام أن المحرقة لم تكن غاية أخلاقية، إنما أداة لاستنزاف طاقات الشباب في معارك انتهت بمساومات سياسية، مخلفةً وراءها مناضلين يواجهون خيبة الأمل في زعيم وظّف آلامهم لتشييد أمجاده الخاصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى