الوحدة الوطنية: هل هي غاية أم “منديل” للأزمات؟

بقلم: محمد علوش القلقمي

تتجلى في الساحة الموريتانية منذ سنوات ظاهرة متكررة؛ فمع كل زوبعة اجتماعية أو سياسية تندلع حملات استنفار تدعو إلى الوحدة الوطنية. وتظهر هذه الدعوات في الأزمات كالمنديل الورقي الذي يُستخدم لمواجهة نزلات البرد العابرة أو اتقاء الغبار المسبب للحساسية المفرطة، ثم يختفي باختفاء العارض. إن هذا الاستحضار الموسمي للمفهوم يتطلب إعادة قراءة تتجاوز العاطفة نحو بناء حقيقي، حيث تكون الوحدة الوطنية ثمرة ناضجة لغرسٍ سابق لها، وهو غرس المواطنة.

تؤكد القراءة المتأنية للواقع أن الوحدة الوطنية تُمثل الغاية والمحصلة، في حين تظل المواطنة هي المنطلق والسبب الأساسي الذي يفضي إلى تلك الغاية. فعندما يجد الفرد نظاماً يضمن حقوقه ويحدد واجباته في إطار من المساواة الكاملة أمام القانون، ينشأ لديه شعور تلقائي بالانتماء يتجاوز الروابط الضيقة. إن المواطنة الحقيقية هي الأداة التي تذيب الفوارق وتمنع الشعور بالتهميش، وهي المحرك الذي يضمن تماسك المجتمع ضد مسببات الحساسية السياسية والاجتماعية.

بناءً على ذلك، يصبح التركيز على تفعيل قيم المواطنة هو الاستحقاق الأكثر أهمية لمعالجة الخلل في المشهد. فبدلاً من استهلاك مفهوم الوحدة الوطنية كأداة تسكين مؤقتة عند هبوب العواصف، يتعين العمل على ترسيخ آليات العدالة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون. إن استقامة موازين المواطنة تُنتج بالضرورة وبشكل آلي وحدةً وطنيةً راسخةً تغني عن المناشدات الموسمية؛ لأن العدل هو الرابط الطبيعي الذي يمنح المجتمع حصانته، ويجعل من الوحدة الوطنية تحصيلاً حتمياً لبناءٍ قائم على أسس المواطنة المتينة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى