عبقرية الهوية الموريتانية: “الچرميتي” كجسر للوحدة وصمام أمان للمجتمع
بقلم/ محمد علوش القلقمي

09 يوليو 2026
تتميز المجتمعات الحية بقدرتها الفائقة على توليد عناصر قوتها من داخل تنوعها الثقافي والاجتماعي، وضمن هذا السياق، يأتي الحديث عن “البيظان”، و”الحراطين”، و”البولار”، و”السوننكي”، و”الولف”، و”البمبارا” بوصفهم مكونات رئيسة من مكونات المجتمع الموريتاني التقليدي القائم تاريخياً، بعيداً عن أي رغبة في تشريح المجتمع أو ابتكار تقسيمات جديدة، وإنما هو وضع للنقاط على الحروف وتسمية للأشياء بمسمياتها الواقعية لتقديم معالجة اجتماعية حية. ومن رحم هذا الفضاء المتنوع الغني، يبرز مفهوم “الخلاسي” أو “الچرميتي” كبوتقة فريدة انصهرت فيها أروع الخصائص الإنسانية لهذه المكونات العريقة، لينتج عن هذا التمازج هجين ثقافي وبدني يحمل ملامح المستقبل ومقومات اللحمة الوطنية الشاملة.
إن الفرد الذي ينحدر من هذا المزيج الاستثنائي يحوز تلقائياً على السمات والتربية والحواضن والعادات والأعراف من شتى الأطراف بشكل جليّ وعميق؛ فمن المكونات ذات الجذور الإفريقية العميقة والصلبة يكتسب الخصائص البدنية والرياضية المتينة، وقوة التحمل الخارقة، والصبر الحكيم والجلد الذي يروض قسوة الظروف والبيئة، وفي المقابل، يستقي من مجتمع “البيظان” قيم السخاء والمروءة، والذكاء الاجتماعي الحاذق، وقوة الحضور الكاريزمي، والدهاء الفطري الذي يُوظّف في أوقاته المناسبة كأداة تكتيكية لإدارة المواقف بكفاءة عالية، ليجمع بذلك أحسن ما في هذه المشارب المجتمعية، متمتعاً بتميز فريد يضعه في مكانه المناسب أينما حل.
تكمن العبقرية الاجتماعية لهذا المزيج في قدرته الفائقة على التكيف المطلق وامتلاك مرونة اجتماعية نادرة؛ فالچرميتي يمتلك المفاتيح الثقافية والنفسية والألسنية لمختلف الجهات، حيث يغدو بين مكونٍ ومكونٍ جسراً للتواصل والتقارب يضاهيهم في حضورهم وبيانهم، ويجاريهم في صلابتهم وعمقهم، محتفظاً بصفة “الأحرش” في جميع الحالات كرمز للمرونة والقدرة على القيادة والاندماج في شتى الأوساط وصهر الفروق لصالح الانسجام العام.
إن تقديم هذه الظاهرة الاجتماعية بوصفها نقطة قوة، يمثل مدخلاً أساسياً لتعزيز التعاون البنّاء وتمتين اللحمة الوطنية الشاملة، وإعادة قراءة التنوع الموريتاني من منظور التكامل والانصهار، فالچرميتي هنا يمثل الجسر الإنساني الحي الذي يربط ضفاف المجتمع بجميع ألوانه، والصورة المثالية لكيفية تحويل التعدد الثقافي والإثني إلى رافعة حقيقية لنهضة الوطن واستقراره ونموذج يُحتذى في تعميق الشراكة الوطنية الشاملة.



