شاهداً ومشهوداً.. «طوفان الأقصى» في ذكراه الثالثة

بقلم: محمد علوش القلقمي

04 اكتوبر 2026

مع حلول الذكرى الثالثة لـ «طوفان الأقصى» المبارك، ينكشف للعيان مجرى التاريخ وقد تحول كلياً؛ فتلك اللحظة التي هزت أركان الهيمنة وأماطت اللثام عن زيف السرديات، كشفت في الوقت ذاته سوأة التطبيع والمطبعين وهم يتوارون خائبين أمام صمود أهل الحق. وفي خضم هذه المواجهة المفتوحة التي يذوق فيها قادة العدوان ويلات الانكسار الميداني والأخلاقي، تتجلى صورة ملحمية تجاوزت حدود الزمن والتاريخ لتغدو رمزاً مطلقاً للمقاومة والكرامة: صورة الشهيد الحي يحيى السنوار، الجالس على كرسيه، الشاخص ببصره نحو الأفق، الرافض للاستسلام حتى رمقه الأخير.

إن الساعات الأخيرة من حياة هذا القائد كانت وثيقة إلهية خُطّت بدماء الرجال لتفند زيف الإمبراطوريات الإعلامية ولتكتب الدرس الأبلغ في معنى الثبات. على ذلك الكرسي المتهالك وسط الركام، تحوّل الجسد المنهك بالنزيف والوشيك على الارتقاء إلى سد منيع يرهب المعتدين؛ كرسي صار أثبت من العروش، وهيئةٌ أضحت تاجاً في سجل العزة الإنسانية. كان يجلس شاهداً ومشهوداً، يرمي بعصاه في وجه الموت والعتاد الحديث، ليثبت للعالم أن الإرادة لا تُكسر، وأن روح المقاومة أعظم من بطش التكنولوجيا الحاقدة.

ولم تقف ثمار هذا الثبات الميداني عند حدود البسالة الفردية، لتمتد آثارها الملحمية فتزعزع المحافل الدولية وترسم واقعاً دبلوماسياً جديداً؛ ففي هذه الذكرى الثالثة، تتوالى الانسحابات الجماعية من الجمعية العامة للأمم المتحدة فور صعود بنيامين نتنياهو المطلوب لدى محكمة الجنايات الدولية بتهمة ارتكاب الجرائم الوحشية بحق المدنيين؛ في صفعة تاريخية غير متوقعة، ومشهد شبيه بالسياقات الخيالية الهوليوودية ينعكس سينمائياً في الواقع الميداني. وتأتي مسرحية طائرة “فلاي دبي” الإماراتية الأخيرة لتكون القشة التي أفاضت الكأس، مظهرة عمق التخبط والمسعى الخائب لاستدراج التعاطف الدولي أمام حجم العزلة الخانقة التي فرضها السابع من أكتوبر على كيان الاحتلال. وما كان لذلك أن يحدث لولا تلك الملحمة التي أعادت القضية إلى الواجهة الأمامية للعالم؛ حيث تحرر الكتاب والمفكرون حول العالم من غول الصهيونية الذي طالما ألقى التهم وجرّم كل من يقف في وجه الكيان الصهيوني واتهمه بإنكار المحرقة (الهولوكوست)، لتسقط بذلك تماماً ترهات الصهيونية العالمية وتتكشف أوهامها.

وتتزامن هذه التطورات مع انهيار مكشوف للسردية الشيطانية التي حاول كيان الاحتلال ومعاونوه من جبهة التطبيع إرساءها في المنطقة. لقد تعرت سوأة الذين ظنوا أن الانبطاح يحفظ الوجود، بينما أثبتت دماء الشهداء وأرض غزة العصية أن الكرامة تُصنع بالموقف والثبات على الثوابت. وفي الوقت الذي تجرع فيه رئيس وزراء العدوان مرارة الفشل وتوالي الخسائر الاستراتيجية، انتصبت تلك الصورة للشهيد الحي كشاهد أزلي على هزيمة مشروع الاستسلام.

إن الشهيد الحي على كرسيه يعيش اليوم عند ربه حياً مرزوقاً، وفي قلوب أحرار الأمة منارةً لا تطالها يد النسيان. لقد ترك للجيل الحاضر والقادم رسالة خالدة مفادها أن النصر صنيعة الموقف، وأن الدماء التي تُسفك في سبيل الحق إنما تعيد رسم وجه العالم وتنير طريق التحرير والفتح الموعود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى