بلدية الرياض: صناعة الأرقام وتضليل الأولويات… حين يغيب التخطيط وتحضر الدعاية
بلقلم: التلمدان

24 يونيو 2026
أعلنت بلدية الرياض عن تخرج 2610 مستفيدين ضمن برامج المعلوماتية والخياطة وأشبال الروضة، وقدمت هذا الرقم باعتباره إنجازًا استثنائيًا يستحق الإشادة. غير أن قراءة متأنية لمضمون التقرير تكشف عن خلل واضح في منهجية العرض والتقييم، وتثير تساؤلات جدية حول مستوى التخطيط والتوجيه داخل البلدية، ومدى كفاءة الفريق الاستشاري المحيط بالعمدة في إعداد البرامج وتقديم حصيلتها للرأي العام.
فمن المستغرب أن يتم الجمع بين ثلاث فئات متباينة تمامًا في حفل واحد وفي حصيلة رقمية واحدة: خريجو المعلوماتية، وخريجات الخياطة، وأطفال الروضة. فهذه الفئات تختلف من حيث الأعمار والأهداف والمحتوى التكويني وطبيعة المخرجات المنتظرة. وكان من المفترض أن يدرك عمدة البلدية الدكتور عبد الله ولد إدريس، بحكم تكوينه الأكاديمي ومسؤوليته الإدارية، أن التقييم الجاد للبرامج التنموية يقتضي الفصل بين المؤشرات والمعطيات، لا خلطها في رقم إجمالي يفتقر إلى الدقة والشفافية.
إن هذا الخلط لا يمكن اعتباره مجرد خطأ شكلي، بل يعكس حالة من فقدان التركيز في الرؤية التنموية والتوجيه الحضري للبلدية، حيث تغيب الأولويات الواضحة وتحل محلها محاولات صناعة أرقام كبيرة للاستهلاك الإعلامي. كما يطرح علامات استفهام حول مستوى المشورة الفنية المقدمة للعمدة، إذ إن أي فريق استشاري يمتلك الحد الأدنى من الخبرة في إدارة المشاريع والاتصال المؤسسي يدرك أن إدراج أطفال الروضة ضمن حصيلة برامج التكوين المهني لا يضيف قيمة للإنجاز، بل يضعف مصداقيته.
وكان الأجدر بالبلدية تنظيم ثلاث مناسبات مستقلة، تخصص كل واحدة منها لفئة محددة، مع تقديم بيانات واضحة حول الأهداف المحققة ومعدلات النجاح والتأثير الفعلي لكل برنامج. أما جمع الجميع في حفل واحد فلا يبدو سوى محاولة لتضخيم الحصيلة السنوية وتقليل التكاليف التنظيمية، على حساب وضوح المعلومة واحترام خصوصية المستفيدين.
ويكشف التقرير كذلك عن اختلال واضح في مبدأ العدالة بين المستفيدين. فقد أشار إلى توزيع ماكينات خياطة على خريجات الخياطة باعتبارها أدوات إنتاج تساعدهن على الاندماج الاقتصادي، لكنه لم يذكر أي دعم أو تجهيزات أو منح أو وسائل تمكين لخريجي المعلوماتية. أما أطفال الروضة فلم يوضح التقرير أصلًا طبيعة المكاسب التي حصلوا عليها، باستثناء احتسابهم ضمن الرقم الإجمالي المعلن.
أما الرقم المثير للجدل، وهو 2610 مستفيدين، فقد ورد دون أي تفصيل أو تفكيك إحصائي. فلا أحد يعلم عدد خريجي المعلوماتية، ولا عدد خريجات الخياطة، ولا عدد أطفال الروضة. وغياب هذه المعطيات يجعل من المستحيل التحقق من الرقم أو تقييم الإنجاز الحقيقي على أسس موضوعية.
إن الإنجازات الحقيقية لا تُقاس بالأرقام المجملة ولا بالعناوين الدعائية، وإنما تُقاس بالنتائج الملموسة القابلة للتحقق، وبالشفافية في عرض المعطيات، وبالأثر الفعلي على حياة المواطنين. أما جمع الأطفال مع المستفيدين من التكوين المهني في حصيلة واحدة فلا يعكس نجاحًا تنمويًا بقدر ما يعكس رغبة في صناعة رقم كبير يسهل تسويقه إعلاميًا.
ومن حق سكان مقاطعة الرياض أن يطرحوا أسئلة مشروعة وواضحة:
أين هي الحصيلة التفصيلية لكل برنامج؟
وكم يبلغ عدد المستفيدين الحقيقيين في كل قطاع؟
وكم عدد الشباب الذين تلقوا تكوينًا فعليًا في المعلوماتية؟
وكم عدد النساء اللواتي حصلن على وسائل إنتاج تمكنهن من العمل؟
وما هي الفائدة الملموسة التي عادت على أطفال الروضة؟
وما هي مؤشرات النجاح التي تثبت أن هذه البرامج أحدثت أثرًا حقيقيًا في المجتمع؟
إن بلدية الرياض مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالانتقال من منطق صناعة الأرقام إلى منطق صناعة النتائج، ومن الدعاية إلى الشفافية، ومن تجميع الفئات المختلفة في حصائل عامة إلى نشر بيانات دقيقة ومفصلة تمكن المواطنين من تقييم الأداء بموضوعية. فالمصداقية لا تُبنى بالأرقام الضخمة، بل بالوضوح والصدق واحترام حق المواطنين في معرفة حقيقة ما يُنجز باسمهم. وما لم يتم ذلك، فستبقى هذه الأرقام مجرد عناوين براقة لا تستطيع إخفاء ضعف التخطيط، وغياب الرؤية التنموية الواضحة، والعجز عن تحويل الموارد والبرامج إلى إنجازات حقيقية يشعر بها سكان الرياض في حياتهم اليومية.



