العدوان على فنزويلا: انتهاك صارخ للشرعية الدولية واستعراض للقوة المادية
بقلم الشيخ سعدبوه اعل

03 يناير 2026
يمثل الإعلان الأمريكي عن شن عملية عسكرية في فنزويلا واعتقال رئيسها المنتخب “نيكولاس مادورو” انتهاكا سافرا للسيادة الوطنية ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وهو حجر الزاوية في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
إن هذا الفعل العسكري المباشر تحت أي ذريعة يمثل عدوانا صريحا يتعارض جوهريا مع ميثاق الأمم المتحدة وخاصة المادة (2/4) التي تحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. كما يشكل خرقا واضحا لمبادئ القانون الدولي الإنساني التي تحكم سير النزاعات المسلحة.
إن ادعاءات “مكافحة المخدرات” أو “استعادة الديمقراطية” لا تقدم شرعية لهذا الغزو بل تكشف عن تطبيق معايير مزدوجة وتسيسا للقانون الدولي. فالعملية التي تضمنت قصف منشآت عسكرية ومدنية وفقا للتقارير هي عملية إجرامية بكل المقاييس تذكر العالم بأحلك أيام الاستعمار المباشر حيث كانت القوة الغاشمة هي اللغة الوحيدة للحوار. لقد حولت الإدارة الأمريكية نفسها من دولة تدعي احترام النظام الدولي إلى دولة خارقة له تفرض إرادتها بالقوة العسكرية المباشرة.
إن هذا المشهد يعيد إلى الأذهان الذرائع الكاذبة التي سبقت غزو العراق عام 2003 ويلقي بظلاله القاتمة على ما يحدث اليوم في “غزة” حيث ترتكب الإبادة أمام صمت عالمي مخجل.
إن النموذج ذاته يتكرر: إضعاف الدولة ثم تقويض مؤسساتها وأخيرا الاعتداء المباشر على سيادتها وشعبها تحت عناوين براقة. أمام هذا المسلسل يجب على دول العالم وخاصة في أمريكا اللاتينية مثل كوبا ونيكاراغوا واليمن في المنطقة العربية، وغيرها ممن تتعارض سياساتها مع الهيمنة الأمريكية أن تأخذ العبرة وأن تستعد لمصير مشابه لما حصل للعراق ويجري الآن التمهيد له في فنزويلا. فالصمت والتفرج اليوم يعنيان المشاركة في الجريمة غدا.
إن الصمت الدولي أو الردود الضعيفة على مثل هذا العدوان يرسل رسالة خطيرة مفادها أن العالم أصبح مرتعا لقانون الغاب حيث تبيح القوة العظمى لنفسها ما تحرمه على الآخرين. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل نحن أمام نظام عالمي تحكمه المؤسسات والقوانين المشتركة أم أمام “سيادة أمريكية” مطلقة على العالم؟
إذا كان الجواب هو الثاني فإن السيناريو المرعب الذي يطرحه هذا العدوان يعني أن على الشعوب والأمم أن تستسلم وتسلم مواردها الاقتصادية ورقابها خاضعين منطقيا لهذه القوة المهيمنة. وهو منطق يقود إلى عالم من العبودية الجديدة حيث تسحق إرادة الشعوب تحت دبابات القوى العظمى.
لذلك فإن ساعة الدفاع عن السيادة والكرامة الوطنية قد حانت ولا مكان فيها للكلمات والبيانات الدبلوماسية المجردة. إن التحدي الذي يواجه المجتمع الدولي وكل الدول التي تؤمن بكرامة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها هو تحويل الرفض المبدئي إلى فعل حاسم.
يجب أن تتحرك الأمم المتحدة وجميع الأطراف الفاعلة لإدانة هذا العدوان ليس بالكلام فحسب بل باتخاذ إجراءات عملية وحاسمة تضمن انسحاب القوات الأمريكية فورا وإعادة الرئيس مادورو واحترام الإرادة الشعبية الفنزويلية.
الدفاع عن فنزويلا اليوم هو دفاع عن مبدأ السيادة لكل دولة صغيرة أو متوسطة وهو دفاع عن بقايا الشرعية الدولية من الانهيار التام أمام منطق القوة الوحشي.
ختاما فإن تكرار هذه العمليات العسكرية الأحادية يؤكد أكثر من أي وقت مضى الحاجة الملحة إلى عالم متعدد الأقطاب يحفظ التوازنات ويصون سيادة الدول.
فالهيمنة الأحادية لم تعد تنتج إلا الفوضى والحروب وانتهاك الحقوق أمام هذه التحديات لا يمكن للعالم أن يبقى رهينة قطب واحد يفرض إرادته بالقوة إن بناء نظام دولي عادل قائم على التعددية والتعاون وليس الهيمنة والاستبداد لم يعد خيارا سياسيا فحسب بل أصبح ضرورة وجودية لضمان مستقبل يخلو من الظلم والعدوان مستقبل تحفظ فيه كل أمة كرامتها وحقها في تقرير مصيرها.



