التوغل الروسي في أفريقيا من خلال المحطات الإذاعية ومواقع الإنترنت

بقلم/ فارح عبد العزيز

منذ الحرب العالمية الثانية عمد الاتحاد السوفياتي إلى بناء علاقات وثيقة مع حركات التحرر الوطني والقادة الجدد للدول الأفريقية حديثة الاستقلال. وقد انجذبت العديد من الدول الأفريقية في ذلك الحين إلى الأيديولوجيا الماركسية باعتبارها نقيضا للإمبريالية الغربية.

في مراحل مختلفة من خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان لدى الاتحاد السوفياتي قوات بحرية في الصومال وإثيوبيا ومصر وليبيا وتونس وغينيا، بالإضافة إلى عدد من المطارات العسكرية الكبيرة، كما تمركزت مجموعات من الخبراء العسكريين السوفيات في الجزائر وأنغولا ومصر وموزمبيق والصومال وإثيوبيا.

وبعد تفكك الاتحاد في التسعينيات، افتقرت روسيا إلى الموارد والإرادة اللازمة لمواصلة لعب دورها بوصفها قوة عظمى عالمية، فأغلقت العديد من سفاراتها وقنصلياتها ومراكزها الثقافية في أفريقيا، بحسب تقرير صادر عن البرلمان الأوروبي عام 2019.

ولقد كانت جولة الرئيس الروسي السابق دميتري مِيدفيديف عام 2009 في 4 دول أفريقية بمنزلة نقطة فاصلة في مسار عودة اهتمام موسكو بالقارة. ومنذ ذلك الحين، استخدمت روسيا حزمة من الأدوات العسكرية والأمنية والاقتصادية لإعادة بناء نفوذها تدريجيا في إفريقيا.

أما عن سوريا فيُقدِّر خبراء عسكريون أنه بدون الوصول إلى قاعدة حميميم الجوية، فإن الحليف الوحيد لروسيا في أفريقيا الذي يمكن الوصول إليه بالطائرات دون الحاجة إلى التزوُّد بالوقود سيكون ليبيا، وحتى هذا قد يكون صعبا بالنظر إلى أنه يتطلب الطيران مباشرة فوق المجال الجوي لتركيا، التي تربطها بروسيا علاقات معقدة ومتقلبة، وبالأخص في الملف الليبي.

من جهة أخرى، سوف تدفع هزيمة موسكو في سوريا بكثير من الشكوك لدى القادة الأفارقة حول قدرتها على توفير الأمن لهم بشكل حاسم ودعم استقرار أنظمتهم. وقد يتضرر الاقتصاد الروسي نفسه كثيرا نتيجة مآلات سقوط الأسد على تصوُّرات الأنظمة الاستبدادية المتحالفة مع موسكو. فوفقا للخبير في العلاقات الدولية صموئيل راماني، وفَّرت احتياطيات الذهب والماس في أفريقيا مصدرا حيويا للعملة الصعبة لروسيا.

وفي أثناء التحضيرات المباشرة لغزو أوكرانيا عام 2022، سافر ما لا يقل عن 16 طائرة محملة بالذهب من السودان إلى روسيا عبر سوريا. وبدون أن تعمل سوريا بوصفها نقطة عبور لعمليات استخراج المعادن هذه، قد ترتفع تكلفة تهريبها إلى روسيا. ومن ثم فإن الزخم التجاري الذي غذَّى تجارة كُبرى بلغت 24.5 مليار دولار مع أفريقيا سوف ينهار.

ومن هنا تطرأت روسيا للتأثير على الشعوب الإفريقية من خلال المحطات الإذاعية والإنترنت وبناء إمبراطورية إعلامية تنشر معلومات ضالة ومزيفة لإثارة الشكوك في الحكومات المحلية والزج بضرورة الإعتماد على والخضوع إلى روسيا.

فلا يخفى على الملأ أن روسيا أيضا تعتمد على قنواتها الخاصة المباشرة. فمن بين الأسرار المعروفة في جمهورية أفريقيا الوسطى، التي تعتبر مختبرًا لنفوذ روسيا في أفريقيا، أنَّ محطة راديو “لينغو سونغو” قد أسسها في عام 2018 عملاء روس.

وكذلك تُستخدم قناة آر تي (RT) الروسية الرسمية من أجل نشر السرديات المؤيدة لروسيا. وهذه القناة محظورة في العديد من الدول الغربية، وأيضًا في ألمانيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي.

ومن كبرى مواقع الإنترنت المزيفة التي تقودها وتمولها روسيا في إفريقيا هو موقع أخبار شمال إفريقيا (أ ش إ) الذي يتمثل هدفه الرئيسي في نشر معلومات مضللة وكاذبة بهدف إحداث الفوضى في المجتمع الأفريقي وزعزعة أمن الدول الأفريقية.

فقبل أيام تم اختراق موقع (أ ش إ) وتم تشويهه برسالة مفادها أنه يجب علينا أن نكون يقظين لأنه موقع روسي ينشر الدعاية لمصلحته الخاصة وأننا يجب أن ندافع عن سيادتنا وكرامتنا ضد أي أحد، وأيضا إذا نظرنا إلى صفحتهم على الفيسبوك فسنرى أن في قسم الشفافية ثلاثة ممن يديروا الصفحة من روسيا وهذا أكبر دليل.

وهذا ما تأمله روسيا من استخدام محطات إذاعية ومواقع مثل هذه ألا وهو أن تقع هذه الدول الفقيرة في فخ الديون وتبقى مدينة لروسيا إلى أجل غير مسمى حيث لا يبقى لها خيار سوى الخضوع للنفوذ الروسي الذي يتمثل هدفه الأساسي في بسط المزيد والمزيد من السيطرة على القارة الأفريقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى