التعاون الغذائي مع أوكرانيا: فرصة استراتيجية أم مخاطرة صحية محتملة؟

موقع جريدة حياة الإخبارية المستقلة 13 سبتمبر 2025

في خطوة تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي بحثت مفوضة الأمن الغذائي الموريتانية فاطمة بنت خطري مع القائم بأعمال السفارة الأوكرانية فيكتور بورت آفاق التعاون الثنائي بين البلدين.

بينما تبدو هذه الخطوة منطقية في ظل البحث عن مصادر متنوعة للغذاء خاصة للحبوب مثل القمح فإنها تثير تساؤلات عميقة حول الجوانب الصحية والبيئية التي لا يمكن تجاهلها خاصة في ضوء التاريخ الإشعاعي الذي لا يزال يلقي بظلاله على بعض المناطق الأوكرانية.

من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية يبدو التعاون مع أوكرانيا إحدى سلال الخبز في العالم مغريا. يمكن لهذه الشراكة أن توفر لموريتانيا مصدرا جديدا للقمح والحبوب الأخرى بأسعار قد تكون تنافسية مما يساهم في تحقيق الاستقرار في الأسعار وتنويع مصادر الاستيراد وتقليل الاعتماد على موردين تقليديين. هذا التنويع هو عنصر حاسم في أي استراتيجية وطنية للأمن الغذائي.

شبح تشيرنوبل والتلوث الإشعاعي المستمر: على الرغم من هذه الفوائد المحتملة فإن التعاون في مجال الغذاء مع أوكرانيا يحمل مخاطر كامنة لا يمكن التغاضي عنها. تشير الأدلة العلمية والتقارير البيئية إلى أن كارثة مفاعل تشيرنوبل النووي في عام 1986 لا تزال تفرض واقعا بيئيا صعبا. فقد أدت الكارثة إلى تلوث هائل للمناطق الشمالية من أوكرانيا بمواد مشعة خطيرة مثل السيزيوم-137 والسترونتيوم-90 والتي تمتصها التربة وتتراكم في المحاصيل الزراعية.

على الرغم من أن الحكومة الأوكرانية تفرض رقابة صارمة على المناطق المتضررة مباشرة والتي لا تزال منطقة منكوبة وممنوعة فإن القلق يظل قائما حول:

1. الانتشار الثانوي:

إمكانية انتقال الملوثات الإشعاعية عبر عوامل الطبيعة الرياح, المياه إلى مناطق زراعية أخرى مع مرور الوقت.

2. فعالية الرقابة:

مدى صرامة وكفاءة أنظمة المراقبة المستمرة لجميع المحاصيل المصدرة، وخطر تسرب عينات ملوثة بسبب فساد أو إهمال أو خطأ بشري.

3. الآثار الصحية طويلة المدى:

استهلاك الأغذية الملوثة إشعاعيا حتى بمستويات منخفضة قد يؤدي إلى مشاكل صحية خطيرة على المدى الطويل بما في ذلك زيادة مخاطر الإصابة بأنواع معينة من السرطان ومشاكل في الغدة الدرقية.

التوصيات والمسؤولية الوطنية: في ضوء هذه المخاوف المشروعة لا ينبغي أن يكون الرد رفضا تاما للتعاون بل تبني موقف حذر ومسؤول يعطي الأولوية القصوى لصحة المواطن الموريتاني. يجب أن تشمل أي اتفاقية تعاون في هذا المجال شروطا صارمة وغير قابلة للتفاوض، أهمها:

· إلزامية الشهادة والإثبات: أن تكون جميع الشحنات الغذائية القادمة من أوكرانيا مصحوبة بشهادات صحية معتمدة دوليا تثبت خلوها تماما من أي تلوث إشعاعي، وأن تكون صادرة من جهات رقابية موثوقة.

· تفعيل الرقابة المزدوجة: يجب أن تقوم الجهات الموريتانية المختصة المفوضية العليا للأمن الغذائي، وزارة الصحة بإنشاء مختبرات متطورة أو التعاقد مع جهات دولية لإجراء فحوصات عشوائية دقيقة ومستمرة على هذه الشحنات عند وصولها إلى الموانئ الموريتانية لتأكيد مطابقتها للمواصفات.

· الشفافية الكاملة: على الجانب الأوكراني تقديم ضمانات وخرائط واضحة لمنشأ المحاصيل مع إثبات أنها جاءت من مناطق بعيدة كل البعد عن منطقة التلوث ومشمولة ببرامج مراقبة مكثفة.

ختاما في الوقت الذي تسعى فيه موريتانيا بجدية إلى تأمين غذائها يجب ألا يغيب عن بال صناع القرار أن الأمن الغذائي الحقيقي لا يقاس فقط بوفرة الغذاء وانخفاض ثمنه بل بجودته وسلامته أولا التعاون مع أوكرانيا فرصة اقتصادية يجب استكشافها ولكن من خلال مقاربة نقدية وعلمية تضع سلامة المواطن فوق كل اعتبار.

إن الثمن الذي قد ندفعه مقابل توفير بسيط في تكاليف الاستيراد قد يكون باهظا للغاية إذا ما تمت المقايضة بصحة الأجيال الحالية والقادمة المسؤولية الوطنية تقتضي التحقق ثم الثقة وليس العكس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى