إحراجا للنخبة ج1

أحمد هارون الشيخ سيديا

هذه، إن لم تجد أكثرُ الأرواح شغفا بالمغامرة ورغبة في المشاركة ما تعارضه أو تؤيده، قرارا كان أو توجها أو سردية.

لم يكتف هذا العهد السياسي بمصادرة الفرص وتصفية الطموح، لكنه أمعن في تفخيخ ما سبَقه من مكتسبات وتحويلِ اللحظة الديمقراطية إلى لحظة انفجار.

إن أعظم مكسب يُحسَب للجمهورية الثالثة التي نعيش اليوم في ظلها كمَن يعيش في أطلال روما، هو الصَّنْعة الديمقراطية والتعددية السياسية التي ما فتئت أنظمتنا شبهُ العسكرية تُباهِي بها الشرق والغرب. وها هو ذا المكسب اليتيم يتحول من طريق نحو التناوب السلمي على السلطة والحوكمةِ الراشدة إلى محرك للحرب الأهلية: مرشحٌ للبيضان وآخرُ للسودان. الأول يسوَّق على أنه هو مرشح النظام، والثاني محسوب على المعارضة. ولا يخفى ما في المعادلة من تغرير بالمجتمع ولعبٍ بالنار.

إنها المنظومة الحاكمة أو، على الأصح، جناح منها لا يحسن من فنون الحكم إلا النفخ في رماد الغرائز البدائية واستثارةَ المظالم المؤجلة التي لا يَعرف كيف يعالجها، ليصير اللون سلاحا والصوت طلقةَ نار والنتائج إعلانا للحرب.

هنا في هذه الجهة فئة أقعدتها الأوهام، وفي الجهة الأخرى فئة تُضرَب في مدنها الخاصة بها وأحيائها. حتى شبكةُ الإنترنت باتت تختفي من تلك اللحظة وكأنها تخجل من أخلاقياتها. فمَن يملك، اليوم أو غدا، القدرة على نزع الفتيل؟ مَن يستطيع إعادة التوازن للسياسة الوطنية وإحياء العقل؟

لم تَسْلَم الأحزاب السياسية والسلطة التشريعية من هذا الانحراف. هل ما زلنا نتحدث عن أحزاب وبرلمان؟ إنهما اليوم مجرد بضاعة يضارِب بها سماسرة السوق السوداء لعبةً مغلقةً عليهم.

أما التعليم، ذلك الأمل الأخير لصناعة الإنسان، وأهم مكاسب الجمهورية الأولى، بل هو أهم مكاسب الدولة الموريتانية على الإطلاق، فإنه صار ضحية إصلاحات شعبوية مرتجلة، كأنما أُسنِد أمره إلى بروكرست الذي يكْرم ضيوفه بتقطيع أطرافهم إذا كانوا أطول من سريره، ويَمطُّها حتى تتمزق المفاصل إذا كانوا أقصر منه. إنهم كمن يهيئ جيلا مطابقا لمقاييس هذا الفراغ: بلا إبداع ولا تمرد ولا روح.

فهل سمعتَ يوما بدولة ترتجل مستقبل أبنائها؟ وهل سمعتَ بها تُصلح، بجرة قلم وفي ساعات من نهار، تعليما وطنيا فاسدا، من أوله إلى آخره؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى