سيدي حيدرا (78117): “إشارةٌ” منسية في رمال “الكلم 55”

​بقلم: محمد علوش القلقمي 23 فبراير 2026

​قادتني الصدفة المهنية، أثناء قيامي بأعمال صيانة دورية، لزيارة منزل أحد زبائننا المميزين. هناك، خلف الأبواب المتواضعة لحيٍّ هادئ، وجدتُ نفسي وجهاً لوجه مع التاريخ. استقبلني شيخٌ وقور، تجاعيدُ وجهه ليست بفعل الزمن وحده، بل هي خرائط لمعارك بطولية خاضها إبان حرب الصحراء. تبادلنا أطراف الحديث، ليتضح أنني أمام قامة من قامات قواتنا المسلحة؛ الرقيب أول المتقاعد من سلاح الإشارة، صاحب الرقم العسكري (78117)، والذي يعود تاريخ انتمائه للمؤسسة العسكرية إلى منتصف يناير من عام 1976.
​حدثني بابتسامةٍ منكسرة خفتت وراءها أسنانٌ هشمتها الشظايا، عن زمن “المنكب بالمنكب والساق بالساق”؛ حيث روى لي كيف انصهرت كل الفوارق في بوتقة الدفاع عن الأرض، وكيف كان الجندي الموريتاني يواجه الموت بإمكانات بدائية وعزيمة تناطح الثريا. لقد كان “حيدرا” أحد هؤلاء الأشاوس الذين نالوا شرف الخدمة في مدرسة القائد الرمز، العقيد فياه ولد المعيوف (رحمه الله)، ذلك القائد الذي زرع في نفوس جنوده أن الجندية عقيدة فداء لا مجرد وظيفة، فكان التنافس بينهم على التضحية هو الرتبة الأسمى التي ينشدونها.
​ذروة المأساة: حين توقف الزمن عند “الكلم 55”
​توقف نبض الحديث، وخيّم جلال الموقف حين وصلنا إلى ذلك التاريخ المحفور بالدم: 16 مارس 1988. هناك، عند “الكلم 55” بنواذيبو، كانت الصحراء تخبئ غدرها في “لغم أرضي” لعين، انفجر في وجه دورية روتينية كانت تظن أن الصمت أمان. في تلك اللحظة، تحول السكون إلى جحيم، وتطايرت الأشلاء لتكتب الفصل الأخير من حياة بطلٍ آخر؛ الملازم صمب ولد بوبكر، الذي ارتقى شهيداً في الحال، تاركاً خلفه دماءً روت رمالاً ظل يحرسها لسنوات.
​ولم يكن الفقد يسيراً، فقد تساقط الرفاق واحداً تلو الآخر في ذلك الانفجار، ولم يبقَ يصارع الرمال والموت إلا الرقيب أول “حيدرا” والسائق العسكري “باباه”. كانت الأرض تمور، والسماء مغطاة بغبار البارود، وحيدرا يسقط في هوة سحيقة من الفراغ.
​الغيبوبة الطويلة: عامٌ خلف أسوار الوعي
​لم ينتهِ الألم عند الانفجار، بل بدأت رحلة أخرى من العذاب الصامت. نُقل حيدرا إلى المستشفى العسكري بنواكشوط، ليدخل في غيبوبةٍ دامت عاماً كاملاً. عامٌ كامل سقط من رزنامة حياته، كان فيه جسدهُ المنهك يحارب الموت في صمت، بينما كانت روحهُ عالقةً هناك، عند “الكلم 55” مع رفاقه الذين رحلوا.
​استعاد “حيدرا” وعيه بعد سنة، ليجد عالماً قد تغير، وجسداً يحمل أوسمةً حقيقية نُقشت في العظم؛ قدمٌ هشمتها الألغام، وأسنانٌ حطمتها الشظايا، وذاكرةٌ مثقوبة برحيل الأحبة، لتبقى قصته شاهداً حياً على جيلٍ أعطى زهرة شبابه ولم يسأل يوماً عن المقابل.
​غربة البطل.. وعار النسيان
​المؤلم في حكاية الرقيب أول سيدي حيدرا ليس جراحه التي لم تندمل، بل هي تلك العزلة الاجتماعية التي تلت سنوات الفداء. فمنذ تقاعده عام 2010، يعيش هذا الرجل الذي كحلته السنون بالوقار في منزل متواضع جداً، يقتات اليوم على معاشٍ تقاعدي زهيد لا يعكس حجم الدماء التي بذلها، لكنه يحتفظ بعزة نفسٍ تناطح الجبال؛ نجا من الموت ليعيش في “مقبرة” النسيان.
​بينما يمرُّ “حيدرا” بتواضعه في شوارعنا، تزدحم الطرقات بمواكب المترفين و”تجار المواقف” الذين يرفعون عقيرتهم بالحديث عن “الوطن” وهم لم يطلقوا رصاصة، ولم يشموا رائحة البارود. لقد بات مجتمعنا يفتتن بالواجهات اللامعة، ويغفل عن “القواعد” الرصينة التي لولا دماء حيدرا ورفاقه، لما قامت لهذه الأرض قائمة.
​خاتمة: صرخة في وادي الصمت
​إن صمت سيدي حيدرا هو العتاب المرُّ الذي يوجهه جيلُ التأسيس إلينا جميعاً. فبينما نتسابق نحن لالتقاط “السيلفي” مع تجار الشعارات، ونحتفي بمن بنوا قصورهم من حبر الكلمات، يمشي بيننا صاحب الرقم 78117 بجراحه التي سُيِّجت بها حدودنا، فلا نكلف أنفسنا حتى عناء الانحناء تقديراً.
​السؤال الذي يجب أن يصفع ضمائرنا جميعاً: كيف نجرؤ على النوم بسلام في بيوتنا، ونحن نترك من اشترى لنا هذا السلام بـ “أسنانه” وقدمه وعامٍ من غيبوبته، يكابد ضيق العيش وعتمة التهميش؟ هل ننتظر حتى يرحل “حيدرا” لنذرف دموع التماسيح على جنازته ونُسمّي باسمه شارعاً لن يمرّ عليه أبداً؟
​إن خجلنا اليوم هو الحد الأدنى من الوفاء.. فسلامٌ على الأجساد التي حمتنا بصمت، وعارٌ على أمةٍ لا تذكر أبطالها إلا حين يواريهم التراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى