ليس أخطر على المجتمعات من ظلمٍ يُمارَس باسم الحق

أبي بكر سيدن أحمد الودانى

12 يونيو 2026

في عالمٍ تتنافس فيه الأمم على ترسيخ قيم العدالة وسيادة القانون، يبقى الظلم أخطر التحديات التي تواجه استقرار المجتمعات وتماسكها. غير أن أشد أنواع الظلم خطرًا وأعمقها أثرًا ذلك الظلم الذي يُمارَس باسم الحق، ويُقدَّم للناس في ثوب العدالة، ويُسوَّق على أنه دفاع عن القانون أو حماية للمصلحة العامة.

فالظلم الصريح قد يثير مقاومة الضمائر الحية، وقد يدفع الناس إلى التصدي له وكشف زيفه، أما الظلم المتدثر بشعارات الحق فإنه أكثر قدرة على التضليل، لأنه لا يعتدي على الحقوق فحسب، بل يعتدي على المفاهيم نفسها، فيشوّه معنى العدالة ويُفرغ القانون من روحه ويجعل الحقيقة رهينة للأهواء والمصالح.

لقد جعل الله تعالى العدل أساس الحكم والعمران، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، وقال جل شأنه: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]. ولم يجعل القرآن الكريم العدالة فضيلةً اختيارية، بل جعلها تكليفًا شرعيًا وأخلاقيًا وقانونيًا لا يجوز التفريط فيه مهما كانت الظروف أو المبررات.

كما أكد الحق سبحانه أن العدل يجب أن يبقى فوق العواطف والخلافات والمصالح، فقال: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]. فميزان العدالة لا يتغير بتغير الأشخاص، ولا ينبغي أن يميل تحت ضغط النفوذ أو العصبية أو المصالح الخاصة.

ومن المنظور القانوني، فإن مبدأ المساواة أمام القانون يُعد حجر الأساس في بناء الدولة الحديثة. وقد نصت المواثيق الدولية والدساتير الوطنية على أن جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، وأن العدالة لا تستقيم إلا إذا خضعت لها جميع الأطراف دون تمييز أو استثناء. فالقانون الذي يُطبَّق على الضعيف ويُعطَّل أمام القوي يفقد هيبته، والعدالة التي تُجزَّأ وفق المصالح تتحول إلى أداة للظلم بدل أن تكون حصنًا للإنصاف.

إن أخطر ما يخلّفه الظلم المقنّع بالحق هو انهيار الثقة بين المواطن والمؤسسات. فحين يشعر الناس أن الحقيقة تُنتقى، وأن المعايير تُبدّل بحسب الأشخاص، وأن القانون يُستخدم أحيانًا لتصفية الحسابات أو تحقيق المكاسب، فإن الشعور بالغبن يتسع، وتضعف الثقة في العدالة، وتبدأ الروابط الاجتماعية بالتآكل تدريجيًا.

وقد أثبتت تجارب التاريخ أن الدول لا تسقط بسبب قلة الموارد أو ضعف الإمكانات بقدر ما تسقط حين يختل ميزان العدل فيها. فالعدل هو أساس الملك، وهو الضمانة الحقيقية للأمن والاستقرار والتنمية. وإذا غاب العدل، انتشرت الأحقاد، وتنامت الأزمات، واتسعت الفجوة بين الشعارات والواقع.

إن المجتمعات الواعية لا تطلب امتيازات خاصة، بل تطلب عدالة متساوية. ولا تبحث عن انتصار الأشخاص، بل عن انتصار المبادئ. فالقانون وُجد لحماية الحقوق لا لتبرير انتهاكها، والسلطة مُنحت لخدمة المجتمع لا للتسلط عليه، والحق لا يصبح حقًا لمجرد أن الأقوياء يرفعون شعاره.

إن الدفاع عن العدالة ليس موقفًا سياسيًا عابرًا، بل واجب أخلاقي وحضاري وديني. فالأمم التي تُعلي قيمة الإنصاف تحفظ كرامة الإنسان وتصنع مستقبلها بثقة، أما الأمم التي تسمح للظلم أن يتخفى خلف الشعارات فإنها تفتح أبواب الفتن والانقسام وفقدان الثقة.

ويبقى المبدأ الخالد الذي لا يتغير: أن العدالة لا تحتاج إلى تزيين، والحق لا يحتاج إلى أقنعة، وأن الظلم يبقى ظلمًا مهما تغيّرت أسماؤه وتعددت مبرراته. فالحق الحقيقي هو ما وافق العدل، والعدل الحقيقي هو ما حفظ الحقوق وصان الكرامات وأقام المساواة بين الناس.

وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: 44].

فما من أمةٍ ازدهرت إلا بالعدل، وما من مجتمعٍ استقر إلا بالإنصاف، وما من ظلمٍ دام مهما تستر برداء الحق أو احتمى بجدران القوة والنفوذ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى