القضية الصحراوية وحق تقرير المصير: قراءة في دلالات الموقف الجزائري

تقرير موقع حياة الإخبارية المستقلة

في مشهد دبلوماسي يعكس تعقيدات القضية الصحراوية المستمرة منذ عقود جاء امتناع الجزائر عن التصويت على قرار مجلس الأمن الأخير بشأن الصحراء الغربية ليعيد التأكيد على مبدأ أساسي في القانون الدولي: حق الشعوب غير القابل للتصرف في تقرير مصيرها.

الموقف الجزائري كما أوضحه الممثل الدائم لدى الأمم المتحدة عمار بن جامع ليس مجرد تحفظ تقني على نص قرار بل هو التزام بمبادئ تأسيسية في ميثاق الأمم المتحدة خاصة فيما يتعلق بمسائل تصفية الاستعمار. فالقضية الجوهرية هنا تتجاوز الخلافات السياسية العابرة إلى مسألة مبدئية تتمثل في شرعية احتلال أراضي وشعوب ضد إرادتها.

ما يلفت الانتباه في القرار الأممي الجديد هو اعتباره مخطط الحكم الذاتي المغربي “الحل الأكثر واقعية” وهي صيغة تكرس منطق الأمر الواقع على حساب المبادئ القانونية وهذا يقودنا إلى سؤال جوهري: هل “الواقعية” في السياسة الدولية يجب أن تتغلب على الحقوق الأساسية للشعوب؟

الاستشهاد بكلمات الرئيس الأمريكي الأسبق (وودرو ويلسون) من قبل الدبلوماسي الجزائري لم يكن اعتباطيا: “لا يمكن أن نسلم الشعوب من سيادة إلى سيادة أخرى من خلال مؤتمر دولي أو تفاهم بين أطراف متنازعة فالتطلعات الوطنية لا بد من احترامها والشعوب تدار فقط بموافقتها”. هذه الكلمات تذكرنا بأن النظام الدولي قام على أسس مبدئية وأن التنازل عن هذه المبادئ يهز أركان هذا النظام.

فلسطين والصحراء تشابه المبادئ واختلاف السياقات

المقارنة التي يطرحها البعض بين القضية الفلسطينية والصحراوية محاولا تبرير تنازل عن حق تقرير المصير في الصحراء بحجة أن ذلك “لن يضر فلسطين ولن يضر الصحراء” تقوم على مغالطة منهجية.

فالحقوق لا تتجزأ والتنازل عن مبدأ في قضية ما يضعف المبدأ نفسه في جميع القضايا. النظام الدولي الذي يتخلى عن مبدأ تقرير المصير في الصحراء الغربية يكون قد شكك في التزامه بهذا المبدأ في فلسطين وفي أي قضية أخرى.

الحل العادل والدائم للقضية الصحراوية كما تراه الجزائر والعديد من الدول والأطراف الدولية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرير مصيره وفقا للشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة.

أي حل آخر مهما بدا “واقعيا” في المدى القصير سيكون هشا وقابلا للانهيار لأنه يفتقر إلى الأساس الأخلاقي والقانوني الذي يمنحه الشرعية والاستدامة.

في الختام إن الموقف الجزائري من التصويت على القرار الأممي الأخير يذكرنا بأن الدبلوماسية ليست مجرد إدارة للعلاقات الدولية بل هي أيضا دفاع عن المبادئ التي تقوم عليها هذه العلاقات.

وفي وقت تتراجع فيه المبادئ أمام “الواقعية” السياسية يصبح التمسك بالشرعية الدولية وحقوق الشعوب مسؤولية أخلاقية لا يجوز التنصل منها.

فحق تقرير المصير ليس منة من أحد بل هو حق غير قابل للتصرف وشعوب العالم التي ناضلت من أجل حريتها تدرك أن هذا الحق هو أساس كرامتها واستقلالها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى