فائض الإنتاج وهشاشة التوزيع: أزمة الكهرباء بنواكشوط من واقع التجربة الميدانية
بقلم: محمد علوش القلقمي

23 أغسطس 2026
تعيد الأزمات الكهربائية المتلاحقة التي تعصف بالعاصمة نواكشوط هذه الأيام إلى الأذهان ذكرياتٍ حرجة عشتها عن قرب قبل واحد وعشرين عاماً. ففي عام 2005، ومع تسلّم العقيد الراحل اعل ولد محمد فال مقاليد الحكم عقب الانقلاب على الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع، تزامنت تلك المرحلة الانتقالية مع احتراق المولد رقم (3) في المحطة الحرارية (4*7 ميغاوات) بعرفات. ومع تهالك المولدات الأربعة الأخرى، دخلت العاصمة في اضطراب كهربائي حاد، ولم يكن أمامنا إلا اللجوء إلى خطة “التناوب على قطع التيار حسب القطاعات” (Coupure par secteur) لإدارة العجز، مع الاستثناء الدائم للمحول (43) باللون الأحمر، المسؤول عن تغذية القصر الرئاسي ومطار نواكشوط القديم. ومع دخول خط شبكة مانانتالي عالي الجهد الخدمة، تم الاستعانة بمولدات إضافية لتعزيز الشبكة وسد العجز الحاصل حينها.
أما اليوم في عام 2026، فقد بلغت الأزمة مَبْلغاً أشدّ خطورة وتجاوزت حدود “أزمة إنارة” عادية لتلامس عمق الأمن القومي المباشر والاستقرار الاقتصادي للبلاد؛ إذ عاش مطار نواكشوط الدولي (أم التونسي) -وهو الواجهة السيادية الأولى للوطن- وميناء تانيت الحيوي، إلى جانب أغلب مناطق نواكشوط الغربية، انقطاعاً كلياً وشاملاً للكهرباء. إن شلل هذه المنشآت السيادية والحرجة يعكس الفارق الشاسع مقارنة بالأمس، ويؤكد أن ما شهدناه خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية يُعد كارثة حقيقية تفوق ما خبرناه سابقاً.
كنتُ حينها ضمن فرق الصيانة وفريق الخبراء الألمان في فترة تربص مهني تحت رئاسة المهندس أحمد الهيبة ولد محمد للمحطة. وكانت فترة عصيبة بكل المقاييس المهنية، غير أن الانهيار الراهن يكشف بوضوح عن التهالك الجسيم للبنية التحتية الكهربائية في نواكشوط الشمالية والغربية على حد سواء.
إن انفجار محولات الجهد العالي بشكل متزامن في كلي المحطتين، وفي وقت يجري فيه تجريب خط كهرباء “الزويرات – نواكشوط”، يضعنا أمام تناقض صارخ؛ فنحن نمتلك فائضاً في الإنتاج، غير أن الأزمة الحقيقية تكمن في البنية التحتية للتوزيع: خطوط التمديد، ونقاط التحويل، والمحولات داخل المحطات التي تتأرجح بين الرديئة والمتهالكة.
إن الحس المهني والتجربة الميدانية الممتدة منذ 2005 يحتمان علينا القول إن الأوضاع اليوم باتت أكثر سوءاً مما كانت عليه قبل عقود. ولا مناص اليوم من فتح تحقيق شفاف لمحاسبة كل من تسبب في استيراد واقتناء هذه المعدات الرديئة، والعمل الفوري على تصحيح الأوضاع. وبصفتي خبيراً في القطاع، أضع بين يدي القائمين على الشأن العام التوصيات الفنية العاجلة التالية لتفادي الكارثة مستقبلاً:
إجراء تدقيق فني شامل : مراجعة حالة كافة محولات الجهد العالي ومحطات التحويل في العاصمة وتقييم عمرها الافتراضي ومدى مطابقتها للمواصفات الفنية العالمية قبل تشغيل أي خطوط جديدة.
اعتماد نظام الصيانة الاستباقية الانتقال من سياسة “إصلاح الأعطال بعد وقوعها” إلى برامج الصيانة الدورية المجهزة بتقنيات الفحص الحراري والتشخيص المبكر للمحولات والموزعات الرئيسية.
إعادة هيكلة شبكات التوزيع والتأمين الفني للمنشآت السيادية: وضع خطوط تغذية مضاعفة وشبكات عزل مستقلة للمنشآت الاقتصادية والأمنية الحساسة كمطار أم التونسي والموانئ لتجنب إظلامها التام تحت أي ظرف.



