تجاوز أحقاد الأمس وحكمة الدولة: لماذا ينبغي الإفراج عن عزيز قبل فوات الأوان؟

بقلم: محمد علوش القلقمي

22 سبتمبر 2026

في السياسة، كما في إدارة الشؤون العليا للدول، لا مكان للعواطف ولا للحسابات الضيقة. لم أكن يوماً من أتباع الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز؛ فقد كنتُ في مقدمة معارضيه السياسيين خلال فترة حكمه، ومارستُ معارضتي بتجرد ومبدئية، كنا نسمي نواته الصلبة حينها “نظام الميمات الثلاثة”: الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، وقائد الأركان العامة للجيوش آنذاك محمد ولد الشيخ الغزواني، والمدير العام للأمن الوطني وقتئذ محمد ولد مكت. وتتوجت معارضتي بقرار تجميد نشاطي السياسي في حزب الرباط الوطني من أجل الحقوق وبناء الأجيال فور انضمام عزيز إليه، واستقالتي من “الرباط الوطني” بعد توقيفه. لكن النضال الوطني الحقيقي يُميز بين مناهضة الأشخاص في السلطة، وبين حماية الاستقرار الشعبي وهيبة الدولة ومصالحها العليا عندما يتهددها الخطر.

إن الرسالة الأخيرة التي وجهها الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز إلى خلفه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وما أثارته من ردود فعل متباينة في الشارع السياسي الموريتاني، تتطلب منا اليوم وقفة تأمل عقلانية بعيدة عن التشفّي أو المزايدات.

من الناحية الإنسانية والقانونية، يمر الرئيس السابق اليوم بظروف صحية حرجة ومقلقة داخل سجنه. وهنا تكمن النقطة المفصلية: الدولة ليست خصماً لأحد، والمفهوم الإجرائي والعدلي الأصيل يقضي بضرورة ملاءمة ظروف الاحتجاز مع الحالة الصحية للموقوف. فالإطار القانوني الموريتاني يُتيح خيارات مرنة في مثل هذه الحالات؛ كمنح الإفراج المؤقت لأسباب صحية، أو وضعه تحت المراقبة القضائية المشددة أو الإقامة الجبرية لضمان متابعة علاجه. هذه الإجراءات تعني تدابير احترازية تضمن سلامة السجن دون إلغاء للأحكام أو المساومة عليها. وإن حدوث أي مكروه – لا سمح الله – للرئيس السابق داخل محبسه بسبب تفاقم وضعه الصحي، يُقرأ في الداخل والخارج بوصفه إخفاقاً أخلاقياً وسياسياً وتفريطاً في واجب الحماية القانونية المكفولة للسجناء. إن رحيل رجل بحجم رئيس سابق في ظروف احتجاز سالبة للحرية قد يفتح على البلاد أبواباً من القلاقل والاضطرابات والشرخ المجتمعي، نحن في غنى تام عنها في ظل خطورة الظرفية الإقليمية الراهنة.

لقد علمتنا أدبيات الحكم والسياسة أن “العفو أقرب للتقوى”، وأن من شيم الكبار والأنظمة القوية قدرتها على استيعاب المحن وتحويل الأزمات إلى فرص للمصالحة الوطنية والتسامح. فـ “ارحموا عزيز قوم”، مبدأ سياسي وأخلاقي لحماية الرمزية الوطنية وتجنب إيجاد بيئة مشحونة بالأحقاد.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، وأخذاً بعين الاعتبار عمق الروابط والعلاقات التاريخية التي جمعت أركان هذا النظام، تبرز المسؤولية الوطنية والتاريخية للقيادات النافذة. ومن هذا المنطلق، نتوجه بالنداء إلى رئيس البرلمان محمد ولد مكت، بوصفه الشخصية الثانية في هرم السلطة ومؤسستها التشريعية، بما يمتلكه من حكمة وثقل سياسي ورمزية في هذا النظام، للتدخل السامي لدى رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، لاتخاذ قرار شجاع وإنساني بالإفراج عن الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز لثلاثة أسباب جوهرية:

دواعي إنسانية وقانونية مستعجلة: تفعيل البدائل الإجرائية كالإفراج المؤقت أو المراقبة القضائية لدواعٍ صحية وتدابير احترازية تضمن سلامة السجن دون إلغاء للأحكام أو المساومة عليها، تجنباً لأي انتكاسة قد تضع الدولة في موقف حرج أمام الرأي العام الوطني والدولي.

المصلحة الوطنية العليا: إغلاق بؤر التوتر الداخلي، وتفويت الفرصة على المراهنين على إثارة القلاقل والاضطرابات.

ترسيخ منطق الدولة الراعية: إثبات أن الدولة الموريتانية تُدار بعقلية المؤسسات الحكيمة التي تتسامى فوق الخلافات الشديدة ولا تنساق وراء ممارسات الانتقام.

إن قوة العهد ورصانة الحكم تتجلى في تطبيق روح القانون، وفي امتلاك شجاعة التجاوز وإعمال الحكمة في الأوقات الحاسمة. إن الإفراج عن محمد ولد عبد العزيز في هذه الظرفية بالذات قرار سيادي حكيم يحمي موريتانيا وينزع فتيل أزمة قادمة لا تُحمد عقباها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى