الجزء الثاني… الحقوق تنتزع بالحكمة لا بالفتنة: قراءة استراتيجية في التوازن الوطني
بقلم: الشيخ سعدبوه اعل

في زمن التحولات الجيوسياسية العنيفة، حيث تتحول المطالب المشروعة إلى أدوات تفكيك بفعل الاستقطاب السياسي – وفقا لتقارير ودراسات إستراتيجية – تبرز موريتانيا كنموذج فريد للصمود. فبينما تشهد المنطقة العربية والإفريقية أعلى معدلات التفكك منذ نهاية الاستعمار، تتمسك بلادنا بخيوط الاستقرار بمزيج نادر من حكمة القيادة ووعي الشعب.
تشير البيانات إلى أن 78% من الصراعات الإقليمية بدأت باحتجاجات مشروعة تحولت إلى فتن بفعل التسييس؛ وهذا يطرح إشكالية مصيرية: كيف نوفق بين تحقيق حقوق المتقاعدين العسكريين – الذين قدموا أغلى ما يملكون دفاعا عن الوطن – وبين الحفاظ على وحدة الصف الوطني في ظل بيئة إقليمية تشتعل من حولنا؟
في عالم يتكالب على الدول الضعيفة للاستحواذ على خيراتها، حيث أصبحت المبادئ مجرد شعارات والمصالح هي اللغة الوحيدة، تبرز الأحداث في ليبيا المنقسمة منذ 2011 بعد أن تحولت مطالب التغيير إلى حرب أهلية طاحنة، وفي سوريا التي دفع شعبها ثمنا باهظا حين تحولت الاحتجاجات السلمية إلى صراع دولي بالوكالة، إضافة إلى السودان المنقسم وغزة المحترقة كشواهد مؤلمة على هذه الحقيقة المرة؛ إنه عالم لا يرحم الضعفاء، ولا مكان فيه إلا للأقوياء المتماسكين.
وفي خضم هذه العواصف الإقليمية، يأتي ملف المتقاعدين العسكريين كاختبار حقيقي لحكمتنا الجماعية؛ فالروابط المعتمدة هي الممثل الشرعي الوحيد لهذه الفئة، وهي الضمانة الحقيقية للحفاظ على هذا الملف من أي اختراق أو استغلال؛ وقد أظهرت القيادة الحكيمة برئاسة فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وعيا عميقا لهذه المخاطر، من خلال نقل التبعية إلى وزارة الدفاع وفتح قنوات الحوار المستمر.
إن التحدي اليوم ليس فقط في تحقيق الحقوق، بل في كيفية المطالبة بها؛ فالتاريخ يعلمنا أن الدول التي تسمح بتمزق نسيجها الاجتماعي تصبح فريسة سهلة للأطماع الخارجية. ولنا في جيراننا عبرة – فليبيا التي كانت من أغنى دول إفريقيا أصبحت ساحة للصراعات العسكرية والميليشيات، وسوريا التي فقدت جزءا كبيرا من مقومات الدولة بسبب التدخلات الخارجية، والسودان الذي كان يوما من أقوى الدول الأفريقية وأصبح اليوم مسرحا للنزاعات بعد أن سمح باختراق وحدته الوطنية.
إن طريقنا الأمثل يكمن في:
- 1. التمسك بالمؤسسية والتمثيل الشرعي عبر الروابط المعتمدة.
- 2. رفض أي محاولات لخلق تمثيلات موازية تضعف الموقف التفاوضي.
- 3. اليقظة التامة للخطر الخارجي الذي يتربص بكل دول المنطقة.
- 4. تعزيز الوحدة الوطنية كحصن منيع ضد كل محاولات الاختراق.
إن المتقاعدين العسكريين، وهم جنود الوطن الأوفياء، أول من يدرك أن الحقوق لا تنتزع بالضجيج بل بالحكمة، وأن الاستقرار ليس ترفا بل هو الأساس الذي تبنى عليه كل الحقوق فلتكن مطالبهم ضمن هذا الإطار الوطني الحكيم، ولنكن جميعا أوفياء لهذا الوطن كما كان أجدادنا.



