وادي الذهب: تفكيك الرواية المغربية في ضوء القانون والتاريخ

بلقلم : الشيخ سعدبوه اعل

23 اكتوبر 2026

في النقاش الدائر حول مستقبل الصحراء الغربية تبرز الحاجة الملحة إلى تفكيك الروايات التي تحاول إضفاء شرعية قانونية على وقائع تاريخية مشوبة بانتهاك الاتفاقيات الدولية.

وتعد قضية وادي الذهب (التي تعرف في الخطاب المغربي بإقليم “الداخلة”) نموذجا صارخا على هذا التضارب بين منطق القوة ومنطق القانون.

فبينما تروج الرباط لرواية “استكمال الوحدة الترابية” و”البيعة” فإن الوثائق التاريخية والمعاهدات الدولية النافذة تكشف حقيقة مغايرة: وادي الذهب أرض موريتانية جرى انتزاعها في ظروف استثنائية من نظام غير شرعي بعد أن كانت موضوع اتفاقيات ثنائية موثقة.

أولا: معاهدة 1976.. اعتراف مغربي نافذ بحدود موريتانيا

خلافا للادعاءات المتكررة بأن الحدود مع موريتانيا كانت غامضة أو قابلة للتأويل فإن العلاقة الحدودية بين البلدين يحكمها نص قانوني صريح.

ففي 14 أبريل 1976 وقع المغرب وموريتانيا على معاهدة لترسيم الحدود جرى تسجيلها لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة.

وقد صادق عليها البرلمان المغربي ونشرت بظهير ملكي في الجريدة الرسمية تحت العدد 3311 مكرر ودخلت حيز التنفيذ في نوفمبر من العام نفسه.

تكمن الأهمية القانونية لهذه المعاهدة في أنها لم تكن مجرد ترسيم تقني بل جاءت تتويجا لمسار تفاوضي طويل قطعه الملك الحسن الثاني بنفسه.

ففي شتنبر 1969 وأثناء قمة إسلامية بالرباط اعترف الملك علنا بخطئه السابق في معارضة استقلال موريتانيا مؤكدا أنه كان ينفذ أوامر والده محمد الخامس رغم عدم اقتناعه الشخصي بذلك.

هذا الاعتراف الذي وثقه المؤرخ والوزير المغربي الأسبق محمد العربي المساري فتح الباب أمام مفاوضات سرية توجت باتفاق ديسمبر 1974 حيث قسم الطرفان الصحراء الغربية وفق خط العرض 24 ومنح الملك موريتانيا “الجزء الأكبر من وادي الذهب” مقابل الاحتفاظ بالداخلة.

فالمعاهدة إذن ليست فراغا قانونيا بل هي حجر الزاوية الذي يثبت أن المغرب نفسه اعتبر وادي الذهب أرضا موريتانية.

ثانيا: “بيعة” 1979.. سلاح قانوني أم غطاء سياسي؟

تعتمد الرواية المغربية على حدث 14 أغسطس 1979 حين قدم وفد من شيوخ ووجهاء وادي الذهب “بيعة” للملك الحسن الثاني في الرباط.

وتصف هذه الخطوة بأنها “استكمال للتخلص من الاستعمار” وتجسيد للشرعية التاريخية.

غير أن هذا الطرح ينهار أمام ثلاثة اعتبارات قانونية وتاريخية:

1. البيعة ليست سندا للسيادة في القانون الدولي: بموجب مبادئ القانون الدولي المعاصر لا تعد “البيعة” أو أي شكل من أشكال الولاء الشخصي أو القبلي أساسا لاكتساب السيادة الإقليمية.

فالسيادة تستمد من معاهدات دولية نافذة أو من مبدأ تقرير المصير المطبق عبر استفتاء حر ونزيه تحت إشراف الأمم المتحدة وليس من مبايعة تقدم لشخص الملك في قصر ملكي.

2. تسلسل زمني دامغ: جاءت “البيعة” في 14 أغسطس أي بعد تسعة أيام فقط من توقيع موريتانيا لاتفاق 5 أغسطس 1979 وبعد أن كانت القوات المغربية قد بدأت بالفعل التحرك العسكري لملء “الفراغ” الذي خلفه الانسحاب الموريتاني.

فمن غير المنطقي قانونا أن تعتبر “بيعة” صادرة في هذا التوقيت الضاغط تعبيرا حرا عن إرادة السكان خاصة في ظل غياب أي رقابة دولية أو أممية على ظروفها.

3. مخالفة إرادة المجتمع الدولي: في 21 نوفمبر 1979 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 34/37 الذي أكد من جديد حق شعب الصحراء الغربية في تقرير المصير والاستقلال ولم يعترف بأي أثر قانوني لـ”البيعة” أو للضم المغربي الأحادي.

ثالثا: اتفاق 5 أغسطس.. قراءة في الشرعية والضعف

يقدم الجانب المغربي اتفاق 5 أغسطس 1979 (الموقع في الجزائر بين النظام العسكري الموريتاني وجبهة البوليساريو) باعتباره “خيانة” موريتانية ويستخدمه لتبرير التدخل العسكري. لكن هذا الاستدلال معيب قانونيا من أساسه.

فالنظام الذي وقع الاتفاق (حكومة العقيد أحمد سالم ولد سيدي) وصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري في 10 يوليو 1978 أطاح بالرئيس الشرعي المختار ولد داداه. وهذا الانقلاب بالإضافة إلى كونه غير شرعي دستوريا كان قد أطاح بالرئيس الذي وقع بنفسه على اتفاق ديسمبر 1974 مع الملك الحسن الثاني.

ومن ثم فإن أي تنازل عن أراض وقع بموجب هذا الاتفاق يفتقر إلى الغطاء التشريعي إذ لم يصادق عليه أي برلمان موريتاني منتخب.

فالقانون الدولي لا يعترف للحكومات الانقلابية بصلاحية التنازل عن سيادة الدولة أو التخلي عن أراضيها الوطنية.

وبالتالي فإن “الفراغ” الذي استند إليه المغرب لم يكن فراغا قانونيا بل فراغا سياسيا صنعه انقلاب عسكري ولا يمكن أن يبرر ضما عسكريا أحاديا.

رابعا: رأي محكمة العدل الدولية.. نفي وجود روابط سيادة

يتجاهل الخطاب المغربي حقيقة قانونية حاسمة: فقد طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من محكمة العدل الدولية رأيا استشاريا حول وضع الصحراء الغربية.

وفي 16 أكتوبر 1975 خلصت المحكمة إلى أن المواد والمعلومات المقدمة إليها “لا تثبت وجود أي رابط للسيادة الإقليمية بين إقليم الصحراء الغربية والمملكة المغربية”.

كما أكدت المحكمة أن الصحراء الغربية لم تكن “أرضا بلا صاحب” (terra nullius) عند الاستعمار الإسباني.

هذا الرأي الاستشاري رغم أنه لم يحسم مسألة السيادة بشكل قاطع إلا أنه ينفي صراحة المزاعم المغربية بوجود روابط سيادة تاريخية.

وبالتالي فإن أي ضم أحادي من جانب واحد سواء في 1979 أو بعده يفتقر إلى الأساس القانوني الدولي.

خامسا: الاعتراف الأعلى.. “وديعة” الحسن الثاني

في الأرشيفات الوطنية يوجد تسجيل صوتي للملك الراحل الحسن الثاني يصف فيه وادي الذهب بأنه “وديعة موريتانية”.

هذا الاعتراف الصريح من صاحب السيادة المغربية هو دليل دامغ على الطبيعة القانونية لهذا الإقليم.

بل إن اعتبار جلالته لوادي الذهب أرضا موريتانية هو ما جعله يحجم عن الاستثمار فيه طوال تلك الفترة خوفا من ترسيخ وقائع جديدة على أرض ليست له.

وتؤكد الوثائق التي رواها المساري أن الملك عرض على الرئيس الموريتاني في ديسمبر 1974 أن “الإشكال الوحيد بالنسبة لي هو مآل الداخلة” مقترحا منح موريتانيا “الجزء الأكبر من وادي الذهب” مقابل الاحتفاظ بالداخلة.

واليوم آن الأوان لأن يرد الابن الوديعة لأصحابها الشرعيين.

بناء على ما تقدم من معطيات قانونية وتاريخية يتضح أن الرواية المغربية بشأن وادي الذهب لا تصمد أمام نصوص المعاهدات النافذة وقرارات الأمم المتحدة ورأي محكمة العدل الدولية.

فمعاهدة 1976 التي صادق عليها المغرب ونشرت في جريدته الرسمية والاعترافات الموثقة للحسن الثاني بأن وادي الذهب «وديعة موريتانية» ثم قرار الجمعية العامة 34/37 كلها عناصر تؤكد أنه لا سيادة للمغرب على الصحراء الغربية وأنه لا حدود له مع موريتانيا على أساس ضم وادي الذهب.

ومن باب أولى فإن “لكويرة” ليست نقطة حدودية مغربية ولا تخضع لسيادة المغرب بل تبقى تابعة قانونيا لإقليم الصحراء الغربية في إطار حق تقرير المصير ولا يصح الاحتجاج بها لترسيخ حدود مغربية مع موريتانيا أو لشرعنة ضم أحادي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى