من صدمة ‘غوادلوبي’ إلى طوفان ‘الرقميات’: معركة موريتانيا المصيرية في وجه القيم المقلوبة!”
محمد علوش القلقمي

كانت “الشاشة الصغيرة” هي البوابة، وكانت MBC الحصان الأسود الذي اقتحم سكون البيوت الموريتانية، لا بسلاح ظاهر، بل برصاصات ناعمة من نوع آخر: الدراما المكسيكية والفنزويلية! غزو صامت! في لحظة تاريخية لم يكن المجتمع الموريتاني المحافظ مُهيَّأً لها، اندلعت “ثورة التگادي أو التناتيج”. توقف الزمن عند الثانية ظهرًا، ساعة الصفر التي تجمَّعت عندها الأسر، لا للغداء ولا للحديث، بل لمشاهدة “غوادلوبي” و “ألفريدو” أبطال مسلسل “رهينة الماضي”، أو “كساندرا ولويس دافيد” في “كساندرا”، أو “مهما كان الثمن”، أو المنتقمة “ماريمار” في “ابنة الحي”. كانت تلك الأعمال، التي تَضخُّ سُموم الفسوق، والسِّفاح، والزنا، والدَّيَاثة في عروق المشاهد، هي القنبلة الموقوتة التي انفجرت في عمق النسيج الأسري.
لقد كان المشهد أشبه بأفعى مسحورة أمام الناي! لم تكن مشاهدة، بل كانت تلقينًا لثقافة دخيلة تَقْلِبُ موازين الفطرة. بسبب هذا الغزو الفكري والثقافي، الذي جعل الجميع كـ “أسنان المِشْط” في التعرُّض له، بدأ الشعر المُضفَّر يتفكك، وانطلقت الزوجات اللاتي أحدثت المقارنات القاتلة في داخل البيوت تصدُّعًا نفسيًا واجتماعيًا كارثيًا. فلم يكن تفكك الأسر نتيجة للترويج للفسوق فحسب، بل اشتعلت نيرانه بسبب التصدع النفسي والاجتماعي الذي أحدثته المقارنات! فقد وجدت الزوجة نفسها تُقَارن زوجها البسيط بـ “ألفريدو” الخيالي، فتحوَّل الزوج إلى فاشل في عينيها، وتحوَّلت غيرة الزوج من هذا البطل المفتون إلى عصف يُمزِّق الأسر. لقد كانت تلك هي البداية.. بداية الانزلاق العظيم!
كل ما نشهده اليوم من انحطاط أخلاقي صارخ، وتفشٍّ للتفاهة الرخيصة، وصعود نجومية أصحاب الركاكة، ليس إلا مُخْرَجَاتٍ كارثية لذاك الغزو القديم. لقد كانت الشاشة الصغيرة هي العدو الأول الذي واجه كياننا الجمعي. لكن القصة اليوم لم تعد مقتصرة عليها! لقد أكمل الإنترنت والهاتف الذكي المهمة القذرة بنجاح ساحق، متحولين من أدوات للتواصل إلى قنوات لتسريب السموم والأفكار الهدَّامة مباشرة إلى جيب كل شاب وطفل! إننا أمام تهديد وجودي يلتهم قِيَمَ الأمة من الداخل ويضاعف أثر الغزو السابق.
أيها المشرِّع الموريتاني، خُذْ زمام المبادرة قبل فوات الأوان! إنها معركة مصيرية لا تقبل التأجيل. يجب أن يُترجَمَ حرصنا على قيمنا إلى قانون رادع وفوري. لا خيار أمامنا سوى تحريم الولوج لهذه التطبيقات الضارة لمن هم دون السادسة عشرة، كما فعلت دول تخشى على مستقبلها. وقد أثبتت التجارب الدولية أن التحرك ممكن، حيث:
أفغانستان حظرت تيك توك ولعبة بابجي بالكامل بدعوى “تضليل الشباب وعدم التوافق مع القوانين الإسلامية”.
الهند حظرت التطبيق بالكامل بسبب مخاوف أمنية.
باكستان وألبانيا فَرَضَت قيوداً وحظراً مؤقتاً بسبب المحتوى غير الأخلاقي والعنف.
كما حظرت دول غربية مثل كندا والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي استخدام التطبيق على الأجهزة الحكومية لأسباب أمنية تتعلق بالبيانات.
أستراليا تصبح أول دولة بالعالم تمنع أي طفل بعمر أقل من 16 عام من إمتلاك حساب في مواقع التواصل الإجتماعي.
أجيالنا هم “الزَّادُ والمستقبل”، وهم خط الدفاع الأخير. فشلهم يعني القضاء التام على الأمة من الداخل! فلْنَحْمِ ما يمكن تداركه، ولْنَسُدَّ هذه الثغرة التي يتدفق منها سيل الانحطاط، قبل أن تَغْرَقَ سفينة الوطن بكاملها في محيط القيم المقلوبة!.


