المحاماة الموريتانية بين مطرقة الاستهداف العالمي وسندان الترسانة المعطلة

بقلم: محمد علوش القلقمي

09 مايو 2026

يشهد العالم في الآونة الأخيرة تحولاً خطيراً في فلسفة التعامل مع مهنة المحاماة؛ فبعدما كان المحامي الحارس اليقظ لسياج الحقوق، بات في أنظمة عديدة خصماً يُسعى لتحييده. وتؤكد تقارير منظمة العفو الدولية ومركز الخليج لحقوق الإنسان تفشي ظاهرة “تجريم العمل الحقوقي”، إذ يُزج بالمدافعين عن الحرية في غياهب السجون بموجب تهم فضفاضة تنضوي تحت “تقويض أمن الدولة”. ويتجلى هذا النمط العالمي المقلق من إيران إلى الصين عبر حالات نسرين سوتوده وتشو هانغ تونغ، وصولاً إلى بعض الديمقراطيات الغربية التي أضحى فيها المحامي هدفاً مباشراً للأنظمة المتوجسة من سيادة القانون. ويهدف هذا الاستهداف في جوهره إلى إفراغ العدالة من محتواها، وتجريد الضحايا من التمثيل القانوني الفعال، وخصوصاً في القضايا ذات الحساسية السياسية أو الاجتماعية.

وفي هذا السياق المترابط، تبرز الحالة الموريتانية كجزء من هذا المشهد الدولي، حيث تظهر محاولات تضييق الخناق على المحامين والحقوقيين امتداداً لهذا التوجه. وتكمن المفارقة الكبرى في التباين بين النص والتطبيق؛ إذ تمتلك الدولة الموريتانية حزمة تشريعات متقدمة تُعد الأكثر تطوراً في المنطقة في مجالات الحريات العامة، وتجريم الاسترقاق، وضمان استقلالية القضاء. ومع جودة هذه الترسانة، تظل المعضلة متمثلة في عجز التنفيذ؛ فبلادنا قطعت أشواطاً في صياغة قوانين صائنة للكرامة، إنما يصطدم تحويل هذه النصوص إلى واقع ملموس ببيروقراطية الخوف أو بتغليب المقاربة الأمنية على المسار القانوني.

إن الدفاع عن المحامين والحقوقيين يمثل ذوداً عن “دولة المؤسسات” وكيانها، مما يستوجب تفعيل الدستور والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها موريتانيا؛ كونها تضمن للمحامي حصانة تمنع ملاحقته جراء أدائه لمهامه المهنية. كما يتطلب الأمر الكف عن توظيف قوانين “الرموز” و”الإرهاب” كأدوات ضغط؛ فالمحامي حين يدافع عن معارض يمارس جوهر وظيفته التي أقسم عليها، بعيداً عن كونه طرفاً في صراع سياسي. إن قوة الدولة تكمن في احترام قوانينها، وتثمين الترسانة القانونية يبدأ بجعلها المرجع الوحيد والنهائي في حماية الحقوق. ويظل تحويل المحامي من حامٍ للحقوق إلى متهم مسماراً في نعش العدالة، وهو ما يدعونا لمطالبة السلطات باستلهام روح القوانين الوطنية وتفعيلها بصرامة لضمان بيئة آمنة للمدافعين عن الإنسان؛ فالعدالة تقوم على جناحين، والمحاماة جناحها الذي لا غنى عنه للتحليق نحو دولة المواطنة والحق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى